الاختلاف السلبي

د. فهد عبدالعزيز الغفيلي
د. فهد عبدالعزيز الغفيلي
الاختلاف السلبي د. فهد الغفيلي

أحياناً أقرأ بعض المقالات أو الآراء التي أتفق مع بعضها وأختلف مع بعضها الآخر، أو ربما أقف منها موقف المحايد. فليس شرطاً أن نكون مع هؤلاء أو أولئك، لا كما يقول الرئيس الأمريكي جورج بوش حين بدأ حربه على الإرهاب: إن لم تكن معي فأنت ضدي. وهو ما يتناقض مع مزاعم الديمقراطية التي يدينون بها ويريدون تصديرها للعالم!

ومن ضمن ما قرأت حول اليوم الوطني رأي لأحد معارضي الاحتفال بتلك المناسبة، ولست هنا بصدد الحديث عن الاحتفال في ذلك اليوم، وهل هو بدعة أم خلاف ذلك، ولا عن مصدر الرأي هل هو رجل أو امرأة، ولكني أود أن أتناول الرأي بشكلٍ عام وأبين الإشكال الذي يقع فيه بعض المجتهدين منا رجالاً ونساءً.. فبعد أن طرح الكاتب رأيه كاملاً وأظهر حججه البينة الواضحة ختم مقالته بوصم مخالفيه بالغباء والسفاهة، ووصف اليوم الوطني باليوم الوثني!

ولا أدري حقيقة ما الداعي لذلك؟! فإن كان الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نجادل غير المسلمين بالتي هي أحسن في قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل 125) فكيف يليق بنا أن نصف إخوتنا بالغباء ونسفّههم لمجرد اختلافنا معهم في قضية فرعية يمكن احتواؤها بالحوار الهادئ والحجة البينة، لا كما فعل صاحب تلك المقالة؟!

إن من يريد تغيير المجتمعات وإرشادها وقيادتها إلى الطريق الذي يراه صواباً لابد أن يتصف بصفات أهمها الهدوء والصبر، ومعرفة أن دوره يتمثل في التبليغ فقط، أما الهداية فهي من اختصاص المولى عز وجل ولم تعط لبشر، ولو أعطيت لأحدٍ لكان محمد عليه الصلاة والسلام أولى بها من غيره حين كان يحاول مع عمه أبي طالب لينطق الشهادتين، ونوح من أجل إنقاذ ابنه من براثن الكفر الذي قاده إلى الهلاك.

ثم إن الناصح أو الداعي إلى الخير أو المرشد أو الواعظ، مهما اختلفت المسميات، إما أن ينقل رسالة يريد من خلاها توجيه الناس ونصحهم وتعليم جاهلهم وتنبيه غافلهم وتذكير ناسيهم، أو ينصح ويعظ ليقال عنه شيخ أو طالب عالم؛ فيستعرض عضلاته أمام الآخرين، ويغوص في أمهات الكتاب، ويستخرج منها ما لذ منها وطاب من فوائد ودرر مكنوزة، مستغلاً الموهبة التي منحه الله إياها المتمثلة في الجلادة والصبر على القراءة، والمهارة في البحث، والقدرة على الاستنباط، ودمغ الآخرين بالحجج القاصمة التي لا تفسح المجال لأحدٍ ليجادل أو يرد، إلا أنه لا يكمل ذلك فيختمه بتواضع المنتصر الذي عمل وهمه الأول تعليم خصمه وتنبيهه إلى خطئه ليتفاداه، ولكن – والله وحده أعلم بالمقاصد – تجد المتحدث يسفه خصومه أو مخالفيه ويرميهم بأقذع التهم والأوصاف.

فكيف بربكم يمكن أن يسمع منك أو يستجيب لك شخص تصفه بمثل تلك الأوصاف؟! ولهذا أقول ليس عيباً أن نختلف؛ فالاختلاف من سنن الله في خلقه، ولا ينكره إلا جاهل، ولو شاء سبحانه لجعل الناس أمة واحدة تتعامل وتتصرف وتتحدث وتفكر بطريقة فطرية لا اختلاف ولا تباين فيها، إلا أن لله حكمة في ذلك نغفل عنها أحيانا، وفي ذلك يقول عز وجل في محكم التنزيل: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (الأنعام 35).

ويجب علينا جميعاً أن نؤكد دائماً في كل مقالة وموعظة وخطبة ومناسبة على أن دورنا يتمثل في التبليغ وليس الهداية، وسعادتنا الحقيقية لا تتمثل فقط باقتناع من يخالفنا ورجوعه إلى جادة الصواب، ولا بهداية الكفار ودخولهم في الإسلام؛ بل إن السعادة الحقيقية تكمن في أدائنا لرسالتنا على الوجه الصحيح؛ فنحن اتصفنا بالخيرية، ليس لأننا نهدي الناس ونجبرهم على لزوم المعروف واجتناب المنكر؛ بل لأننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر. كما يقول الله عز وجل: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ…} (آل عمران 110).

فهد عبدالعزيز الغفيلي