التغيير

فهد عبدالعزيز الغفيلي
فهد عبدالعزيز الغفيلي
التغيير د. فهد الغفيلي

يحرص معظم الناس على تحصين أنفسهم وأبنائهم وممتلكاتهم وكثيرٍ مما يعود إليهم؛ كل ذلك من باب الوقاية والاحتراز من سطوة الآخر، أياً كان، خشية أن يسلب أو يفسد أو يبدل ما عملوه طوال سنوات، فيقوم ذلك الدخيل فيغير حاله ويصيّره إلى شيء آخر غير الذي ألفوه وتعودوا عليه.

وبغض النظر عن ماهية التغيير للأحسن أو للأسوأ فالناس لا ترغبه؛ بل إن هناك من يفضل الموت عليه، ولا ضير في ذلك خاصة وقد فـُـطر الواحد منا على الركون إلى نفس الحال والنمطية والنفور من التغيير منذ الولادة، وقد قيل إن صرخة المولود هي أولى علامات الاحتجاج والاعتراض على التغيير، فهو قد مكث في رحم أمه تسعة أشهر، وقد وفرت له جميع سبل العيش الرغيد من أمن ومطعم وراحة وهدوء، وعند الانتقال إلى هذا العالم فهو لا يفكر إلى أين انتقل؛ بل لماذا نـُـقل من مكانه الذي ألفه وأحبه وأمضى فيه تلك الفترة الطويلة.

من هنا نعلم أن التغيير أمر صعب بالنسبة لنا وربما لا يستساغ بسهولة وإن تفاوتت درجات قبوله بيننا من شخص إلى آخر بحسب طريقة تفكير كل واحدٍ منا وفلسفته ونظرته إلى هذه الحياة، وهذا الاختلاف يمكن حصره في ثلاثة أنماط فقط لعلي أوجزها باختصار في السطور التالية:

النمط الأول: شخص مؤمن بالتغيير والانتقال من حالٍ إلى حال ويعلم أن هذا التغيير قد يطال كل شيء يخصه من النفس والزوج والولد والممتلكات والجسد وغيرها.. ومع خشيته ووجله من التغيير فهو يقف منه موقف المستعد المتأهب من جهة، وموقف من سيتقبله ولكن وفق شروط وليس بشكلٍ مطلق، ومن هنا فهو يبذل الأسباب، ولعلنا نأخذ الأبناء مثلاً فهو يقوم بتربيتهم وتعليمهم وتوجيههم ومساعدتهم في اختيار الأصدقاء، ولا يكتفي بذلك بل يبقى مراقباً وضعهم خشية التغيير الذي كما أسلفنا ليس بالضرورة أن يكون سيئاً، وقد يكون كذلك ولكن مع تلك الرقابة ربما يبدأ الولد بالميل باتجاه لا أقول عنه مناقض ولكنه ليس الذي أراده الوالد لابنه، فيبدأ حينها الوالد بالتعامل مع الموقف مؤمناً به، ويلجأ إلى الخطوة التالية المتعلقة بالتعاطي مع التغيير ولكن وفق شروط وأهمها أن لا يكون الطريق الجديد غير سوي، ومعها يزيد الرقابة والتوجيه غير المباشر من أجل أن يضمن أن ابنه حين تغير لم ينحرف، وفي الغالب فإن معظم من تلقوا تربية طيبة وحضوا بالرعاية والاهتمام من أبويهم أو أحدهما أو حتى ولي أمر ناصح يكون طريقهم مقبولاً اجتماعياً، حتى ولو لم يتوافق مع رغبات ذويهم. وبالمناسبة فدعاء المصطفى عليه السلام: “اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك” خير الشواهد على الإيمان بإمكانية التغير والتبدل من حالٍ إلى أخرى مهما بلغت قوة موقفك بغض النظر عن ماهيته.

النمط الثاني: بعكس الأول تماماً فهو وكأنما لم يعلم بشيء اسمه تغيير سوى في أمورٍ بعينها، ومن هنا فقد ترك الحبل على الغارب فلم يحصن نفسه ولا ولده وانشغل بما اختزل التغيير به، وظنه أهم وهو الخشية من التبدل من حال الغنى إلى الفقر فأمضى جل وقته يلهث خلف دنياه معززاً موقفه المالي.. أما النفس والولد فلم يعرهما اهتمامه وهذه النوعية من البشر هي من تجلب الفساد المجتمعي إلا من رحم ربك وهم من ينطبق على أسرهم قانون المال والفراغ يولدان الانفلات والفساد وهو في الغالب حال من تعولهم تلك الشاكلة، أما هو فقد يسرق ويرشي ويرتشي ويروج الفساد بجميع أشكاله، وشرور هذا النوع لا تقف على أسرهم بل تتعداه إلى المجتمع برمته، وقد يصون بعضهم أسرته ويعمل على المحافظة عليها بالطريقة التي يراها سليمة، ولكن بالنسبة لأبناء المسلمين فإنه لا يأبه بهم. وهناك فئة أخرى مشابهة لسابقتها في الموقف من التغيير وإن اختلفت معها في الحال المعيشي، وهي فئة من الفقراء الذين لا أدري بماذا انشغلوا؛ فالأولاد على كثرتهم متسيبون والأموال معدومة والأكل والشرب يأتي عن طريق الصدقات من هنا وهناك ورب الأسرة لا يوجد في قاموسه شيء اسمه التغيير؛ بل إن كل ما فيه صفحة واحدة مكتوب فيها (كيف سيأتي مأكل ومشرب العائلة غداً) وغالب مخرجات تلك الأسرة تكون سبباً لمشكلات المجتمع من سرقات ومخدرات وغيرها، إلا من رحم ربك.

النمط الثالث: فئة بين الأولى والثانية فهم تعبوا وربوا ووجهوا ولكنهم لا يؤمنون بالتغيير، وكل شيء يجب أن يكون كما أرادوا وغالباً ينجحون في المحافظة على ما يريدون، ولا يخترق حصونهم التغيير بسهولة إلا مع الأبناء، فتأتي النتائج أحياناً بشكلٍ عكسي، ويعتمد ذلك على قوة شخصية الأب ونفسية الابن، فإن كان الابن مطواعاً سارت الأمور كما ينبغي، وإن كان عكس ذلك مع ضعف الأب أمامه حدث الانفلات والتغير الرهيب، أما إن كان الأب قوياً والابن عنيداً فينتج عن ذلك صدامات قد تتطور إلى إقصاء الابن من المنزل، وغالباً ما ينتج عن ذلك كارثة تحل بالابن حيث يكون لقمة سائغة لرفاق السوء فيوظفونه كما يريدون، وقد تتوسط الأم وتترجى ولكن في الغالب لا تأتي تلك الوساطات بالنتائج المرجوة.

الخلاصة هنا: أن الأمور قد تسير خلاف ما نريد، وواجبنا أن نعرف كيف نتعايش مع ذلك، وأولى الخطوات الموصلة إليه عن طريق الاعتراف بإمكانية حدوث التغيير، ومن ثم الاستعداد له بقبوله وتقديم بعض التنازلات غير المخلة بالمعتقد، وقد يكون تبني التغيير أحياناً مساعداً بشكلٍ كبير على توجيهه إلى الطريق الذي نريد والانتفاع به.

فهد عبدالعزيز الغفيلي