السر الحقيقي للحياة

سرقد يخفى على كثيرٍ من الناس أن ما تحمله أقدامهم ليس أبداناً فقط، بل إن هناك ما هو أعظم وأشد من الأبدان ثقلاً وهي الأرواح، حيث إن كل واحدٍ منا يتألف من جزأين رئيسين هما: الجسد، والروح. وحين أقول إن كليهما يحتاج للغذاء، فإني لا أورد جديداً؛ حيث إن الجسد يحتاج للطعام، وشعورنا بالجوع هو الدليل على ذلك. ولكن ما لا يعرفه البعض أن أرواحنا تحتاج للغذاء أيضاً، وما يجهله كثيرون هو: نوعية الغذاء، وما علامات الجوع لدى الروح. فإذا قلنا إننا نعلم أنا أجسامنا بحاجة للطعام من خلال الإشارات التي ترسلها المعدة إلى المخ لتخبره عن هذه الرغبة، فما الكيفية بالنسبة للروح؟!! فهي كما أسلفنا تحتاج للغذاء، وعندما يكون هناك نقص في غذائها فإنها ترسل إشارات عصبية إلى دماغ الإنسان تشعره بنوع من الحزن والملل والاكتئاب. وعندما تصل هذه الإشارات إلى الإنسان فإنه يختار لنفسه الطعام من قائمة عريضة من الأغذية الروحية؛ فالبعض قد يغذي روحه بالتنزه، والبعض الأخر باستماع الموسيقى، وآخرون بمجالسة صديق، وغيرها الكثير من الخيارات النافعة والضارة.

ولكن هل هذه أغذية حقيقية لأرواحنا؟ يعتمد الجواب على نوعية الغذاء المختار، فحين نغذي أرواحنا بالمسليات، والملهيات الدنيوية المحفوفة بالشهوات، والمغريات، فإن ذلك ليس غذاء أبداً. قد يقول أحدهم: إذا كان الجواب أن كل تلك الأشياء ليست أغذية حقيقية، فلماذا يزول الكدر والحزن عندما نمارس ما نعتقد أنه يجلب السعادة لنا، أو ما تسميه أنت غذاء لأرواحنا، خاصة وأنك تقول: إن علامات حاجة الروح للغذاء: الحزن، والكدر، وغيرها. وقد زالت كل تلك العلامات، مما يدل على أنها أغذية حقيقية ومناسبة لأرواحنا البشرية. أقول: أولاً: يجب أن يعلم الجميع أن أهل العلم كلهم ـ  على اختلاف مذاهبهم ـ اتفقوا على أن الغذاء الحقيقي لهذه النفس هو: ذكر الله؛ فالروح هذا الكائن الغريب، والسر الغامض، والعلم المجهول المودع في أجسادنا، له اتصال مباشر بالسماء، بل ويصعد إليها بشكل يومي حين ينام الإنسان. وفي ذلك يقول الله تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} (الزمر: من الآية42). فهذه الروح لا يمكن أن ترضى إلا بغذاء خاص من السماء؛ غذاء نقي طيب متصل بالله. أمًا سوى ذلك فيعدّ مسكنا وقتيا يغشى الدماغ ويحجب عنه حاجة الروح للغذاء. وحين يزول أثر ذلك المسكن تعود علامات الجوع الروحي أشد مما كانت عليه قبل ذلك المسكن، وتظهر الحاجة بشتى ألوان الكدر، والحزن، والنكد. وما لم يدرك الواحد منا غذاء روحه الفعلي ويشبع نفسه منه ـ كلما احتاجت إليه ـ فإنه سوف يتمادى في إشباع روحه بما أسميناه المسكنات؛ حتى قد يصل به الأمر إلى تعاطي المواد الممنوعة ـ  كالمخدرات، ومواد الهلوسة ـ  ظناً منه أنها سوف تجلب له الإشباع الروحي، حتى ينتهي به المطاف إلى الانتحار والعياذ بالله.

لذا أقول: إنه يجدر بكل إنسان عاقل مدرك لحاجاته ورغباته أن يفهم نفسه وما تهواه وما تريده، ثم يعمل على إشباعها مختاراً ومنتقياً ما لذ وطاب من الموائد المشتملة على ذكر الله (سبحانه وتعالى) والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا مانع من تغذية الروح ببعض المسليات، ولكن لا تنس أنه كما أن هناك سموما وأغذية ضارة بجسم الإنسان، فإن هناك أغذية تفتك بالروح وعلى رأسها: البدعة، والغلو في الدين. فاحذرها. وكن معتدلاً في كل شيء؛ فالوسطية هي سمة هذه الأمة.

فهد عبدالعزيز الغفيلي