تغيرت مجتمعاتنا

العقيد / فهد عبدالعزيز الغفيلي
العقيد / فهد عبدالعزيز الغفيلي
تغيرت مجتمعاتنا د. فهد الغفيلي

لا تحتاج إلى أن تكون متأملاً ولا حتى متابعاً لتلاحظ التغيرات الشديدة التي طرأت على المجتمعات العربية بشكلٍ عام والمجتمع السعودي بشكل خاص، فبعد أن كان مجتمعنا متحفظاً جداً لا يدري أحدٌ ما يدور فيه، تغيرت الأحوال وتبدلت الأمور وظهرت أحداثٌ وأمورٌ لم نكن نعلمها، وصارت القضايا تناقش علانية دون حياء أو خجل؛ بل ويطلب فيها مشورة المختصين والاستئناس بآرائهم، وأحياناً لا يكتفى بذلك، بل يسمح للجماهير من مشاهدين ومستمعين بالمشاركة والإدلاء بما لديهم حول هذه القضية أو تلك.

وقد رأيت إحدى القنوات تعرض برنامجاً حول إدمان المخدرات، كان المتصلون يتحدثون من خلاله عن بعض المشاكل التي تحدث لأقاربهم وأصدقائهم، فتسمع منهم ما تدمى لها القلوب وما يجعلك تقف حائراً ومتسائلاً في الوقت نفسه: كيف يمكن أن يحدث هذا في مجتمعاتٍ تدين بالإسلام وتقرأ القرآن وتسمع الهدي النبوي بشكلٍ يومي؟!

فأحدهم يتحدث عن تجربته في إدمان المخدرات وطلبه المساعدة للتخلص منها، وواحدة تتصل تبث شكواها أمام الناس وتسألهم العون في كيفية الخلاص من الجحيم الذي تعيشه مع زوجها المدمن؛ فلا هي قادرة على الصبر عليه، ولا الهرب منه إلى أهلها الذين لن تجد منهم العون، وإلا لكانوا سألوا عنه قبل توريطها به، فلا تجد ملجأ ـ بعد الله ـ سوى هذا البرنامج وضيفه علـّه يساعدها أو حتى يجبر خاطرها بكلمتين..

وشخص يتصل ليسأل عن الحبوب المنبهة وعن إمكانية استخدامها حتى يخيل للسامع أن ما يسأل عنه نوع من الحلوى ترتفع فيها نسبة السكر أو تزيد سعراتها الحرارية عن غيرها، لا مواد مخدرة تذهب العقل وتفضي للجنون!! بالإضافة إلى كونها محرمة شرعاً ومحظورٌ استخدامها دولياً.

وما نقرؤه ونسمع عنه من أحداثٍ أشد وقعاً وأكثر إيلاماً فهناك من ينتحر ومن يقتل والديه ويحرقهما بالنار، ومن يذبح زوجته وأبناءه.. كل ذلك بالإضافة إلى حالات كثيرة وقضايا متعلقة بسرقات كبرى ورشاوى واحتيالات واختلاسات وغيرها الكثير، وهي ـ على ما يبدو ـ ليست جديدة على مجتمعاتنا؛ بل موجودة في جميع التجمعات البشرية، ولكن الجديد هو مسارعة وسائل الإعلام إلى نشرها والحديث عنها ومناقشتها وبحث أسبابها ومحاولة إيجاد الحلول لها، وإن كان للنشر جوانب سلبية ربما تقود للتعلم والمحاكاة، إلا أن الإيجابيات أراها أكبر؛ فالسكوت والصمت على مثل تلك الأحداث ومحاولة التستر عليها وادعاء المثالية في كل شيء لا تقود إلا إلى تفاقم المشكلة واستفحالها، أما المصارحة والمكاشفة فهي تساعد على حل المشكلة أو على الأقل تسهم في الحد من انتشارها، والأهم من ذلك تنبه كثير من الغافلين إلى ضرورة الاستيقاظ والتحقق مما يدور في بيوتهم وكيف يعيش أبناؤهم وأزواجهم وحتى جيرانهم ومحاولة إصلاح الخلل قبل استفحاله وانفلات زمام الأمور.

فهد عبدالعزيز الغفيلي