صاحبي مدمن

أغلالحين التقيت به لاحظت تغيراً شديداً على هيئته ظهر جلياً في وجهه وتصرفاته وحتى طريقة حديثه، فاعتقدت مباشرة أنه قد بدأ تناول شيء ما ولابد أن أعرفه، حيث كانت تلك المادة التي يتعاطاها قد تمكنت منه إلى درجة تشعر من يراه أن ثمة شيئًا قد حدث له، فأنا أعرفه تمام المعرفة، وإن غبت عنه ولم أره مدة تزيد على سنة، إلا أن وقع تلك المادة التي كان يتعاطاها كان شديداً عليه وتأثيرها كان بالغاً.

في بداية حديثي معه لم أجرؤ على سؤاله مباشرة عما حدث له، فلم أرد أن أباغته بهذا الأمر، علماً أنني لو سألته فلن يكون هناك ضير؛ لأن حاله كانت تسمح بذلك، إلا أني رغبت في إرجاء ذلك السؤال إلى وقتٍ لاحق؛ لعلي أجد فرصة أو مناسبة؛ أو لعل الحديث يجر بعضه فيوصلني إلى بغيتي ويجيب عن تساؤلاتي ويفك حيرتي دون أي جهدٍ مني، مع أني ومهما بذلت من جهد، وحتى لو اضطرني الأمر إلى دفع مبلغ مالي؛ لأعرف ما بصاحبي وأعز الناس إلي لفعلت!

بعد أن أمضينا في حديثنا قرابة نصف ساعة ـ وما تزال الأمور غامضة بالنسبة لي ـ أردت أن أتحدث حول بعض الأمور التي لها صلة بحالة صاحبي، وربما تثيره وتجعله يفصح لي عن أسباب تغيره.

وما أن بدأت حديثي حتى انجرف معي واستلم زمام الأمور وبدأ يتحدث بشكل لم أتوقعه وأخذ يسهب في الكلام، صحيح أنه لم يعترف لي مباشرة ولم يقر بتعاطيه لما كان يتحدث عنه، إلا أن طريقته في الكلام وترغيبه لي وبيان المتعة والنشوة التي يجدها من يستمر في أخذ تلك المادة والتعايش معها ـ وإن لم يخبرني عن تجربته الشخصية ـ جعلتني أتيقن ولا أحتاج لمزيد من التفسير حول ما حلّ به.

وبعد أن رأيته ـ وقد كان شغوفاً مسهباً يتحدث بشكل مفصل ـ سألته: وماذا عنك أنت؟ كيف تتعامل مع تلك المادة التي تتحدث عنها؟ ما أن سمعني قلت ذلك الكلام حتى تغير وجهه وارتبك وحاول إكمال حديثه في ترغيبي وعدم الخوض والتطرق لتجربته الشخصية، فقلت له: يا صاحبي لا تذهب بعيداً ولكن حدثني عن تجربتك أنت، وكيف تحولت بهذه الطريقة لدرجة تغيرت معها هيئتك وطريقتك في الكلام ومشيتك وحتى تعاملك مع الآخرين؟ فقال: لا تسأل عن تجربتي؛ فما أتعاطه من تلك المادة شيء يسير وليس له ذلك التأثير علي، فقلت له: لا. أخبرني عن نفسك؛ فما يهمني هو أنت فقط، أما غيرك فلا أريد أن أسمع عنه شيئاً الآن، بل حدثني عن تجربتك، وإن أقنعتني بها فسوف أحاول أن أجرب لأشعر ببعض ما تشعر به من النشوة والمتعة!

يقول صاحبي: بداية كانت تلك المادة متوافرة بشكل كبير بين يدي ولم أكن اقترب منها أو القي لها بالاً، إلا أنني كنت ألتقي بمجموعة من الزملاء الجدد الذين كانوا يكثرون من تعاطيها ويخبرونني عنها وعن السعادة التي تجلبها لهم، ومع تحريضهم لي على تجربتها لم أستجب لهم، إلا أني في إحدى المرات أحسست بنوع من الفراغ تبعه ضيق وانعدام رغبة في فعل أي شيء أو الذهاب لأي مكان فتناولت تلك المادة بشيء من التردد، وما أن بدأت حتى شعرت بنوع من الراحة، وهكذا أصبحت كلما شعرت بضيق وضجر لجأت إليها ثم تطورت حالتي إلى أن أصبحت أشعر بالضيق والضجر في حال مضي يوم دون أن أخذ منها ولو شيئاً يسيرًا أسد به رمقي!

فقلت له: إن ما فعلت يثير الإعجاب ويجبرني على احترامك وإكبارك، و ـ حسب علمي ومعرفتي ـ فإن من قرأ القرآن وتدبر معانيه وتأمل ما جاء فيه وتفكر في إعجازه سوف يصل لنفس المرحلة التي وصلت إليها بحيث لا يمكنه بعدها تركه أو الصبر على فراقه، حتى إن شيخ الإسلام “ابن تيمية” كان يقول: “إني لأجلس بعد صلاة الفجر حتى طلوع الشمس أذكر الله وأقرأ القرآن، وتلك غدوتي لا أستطيع العيش دونها”! و والله إنها لنعم الغدوة! فانظر ماذا صنعت بصاحبها حيث صيرته إنساناً بارعاً في شتى علوم عصره وخلدت ذكره ورفعت منزلته عند مولاه..

فياليت حالنا يصير إلى إدمان تلاوة كتاب الله لدرجة نشعر معها بالهم والضيق وعدم القدرة على العيش أو النوم لو انقطعنا عنه، ولا نكون ممن قال الله فيهم: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} (الفرقان:30).
فهد عبدالعزيز الغفيلي