عندك واسطة

العقيد / فهد عبدالعزيز الغفيلي
العقيد / فهد عبدالعزيز الغفيلي
عندك واسطة د. فهد الغفيلي

أحيانًا يحاول الواحد منا السعي للحصول على بعض المكاسب المادية أو المعنوية التي تعينه في شتى مجالات حياته، سواء ما كان منها متعلقًا بعمله أو بنشاطٍ تجاري خاص به؛ فتجده يبذل الغالي والنفيس من أجل الظفر ببغيته، فيتوسط بفلان ويكلم آخر ولا يترك أحداً من معارفه إلا وحدثه عن الموضوع (لعل وعسى) أن يتحقق مطلبه؛ فيطلب شفاعة خمسة أشخاص في أمرٍ لا يستحق الشفاعة أصلاً..

ولسان الحال يقول: “إن واعدت جمَّالاً فواعد عشرة”!! وإن تعثرت شفاعة الأول فلعل شفاعة الثاني تصيب وهكذا.

ولا أرى بأساً في ذلك رغم مبالغة بعض الأشخاص في مسألة التوسط، خاصة في تلك الأمور التي لا تستحق، والمشكلة أنك حين تذهب أو تتصل بصاحب الصلاحية أو من بيده الحل والربط والسماح والمنع يقول لك على سبيل المثال: ما يزال الموضوع تحت الدراسة، أو ليس هناك جديد. وحين تسأله بتعجب كيف تذكرت هذا الموضوع بالذات من بين مئات الآلاف من المعاملات والأوراق التي يتعامل معها؟! يجيبك على الفور بأن شخصين أو ثلاثة سألوا تواً عن هذه المعاملة قبلك. وكم شخص سأل أمس عن ذلك الموضوع وكم شخص سيسأل غداً؟ الله وحده العالِم!

والناس في أمر الواسطة على ثلاثة أصناف: صنف لا يسأل عن الموضوع أصلاً ولا يلقي له بالاً وبمجرد ما يرد اسمه تجد موضوعه يتحرك تلقائياً دون أي اعتراض أو تعطيل، ولا داعي أن يحضر ويتابع ويعقب على معاملته ولا حتى يرفع سماعة الهاتف، فالأمور تسير بشكل انسيابي، وحين تنتهي يحضر إليه من يبلغه بانتهاء المهمة وبلوغ المقصود.

وشخصٌ آخر ليس كسابقه، ولكنه يعرف من هم على شاكلة الصنف الأول، فزيارة واحدة يقدم فيها صاحب الحاجة الولاء والطاعة لذي النفوذ كفيلة بحثه على الاتصال بأحد المختصين، أو بعث ورقة صغيرة كتوصية تنهي الموضوع وترفع درجة المعاملة من العادية جداً إلى مهمة وعاجلة جداً، ولابد أن تنهى هذا اليوم أو خلال أربعة وعشرين ساعة من تاريخ التوجيه.

أمّا الصنف الثالث: فحدث ولا حرج؛ فهؤلاء هم المغلوبون على أمرهم الذين ليس لهم حظ ولا نصيب، فلا قريب ينفعهم، ولا معرفة من هنا أو هناك يتقوون بها للوصول لبغيتهم، وهم يحاولون البحث عن أي أحد حتى لو كان أحد جيرانهم قبل خمسين سنة أو قريبهم ولو من بعيد؛ فيذهبون إليه وبعد شرح وتوسل ودعوات بين كل جملة وأخرى يقوم بكتابة خطابٍ أو تزكية من باب الشفاعة والإحسان للجار، ولو تمعنت فيها لوجدتها مجرد خطاب جرت العادة على إعطائه لكل من يطلبه من باب ذر الرماد في العيون، فإن أصاب فله الفضل وإن لم يجلب نتيجة ـ وهذا هو الغالب ـ قال أديت الذي علي وليس باليد حيلة، مع أن بيده من الحيل ما الله به عليم، ولكنه لا يرغب في بذل ولو جهد يسير مع شخص ليس هناك منفعة من التوسط له وليس له أبٌ أو عمٌ أو صديق أو رفيق سوف يرد المعروف!!

ومشكلة هذه الصنف أيضاً أنه يطلب الشفاعة من أناس لا يلقون لهم بالاً، فينسونهم ولا يفكرون بهم، فلا هم الذين ساعدوهم وأسهموا في قضاء حاجتهم، ولا هم الذين صارحوهم وقالوا لا نريد أو لا نستطيع مساعدتكم.

وما منا إلا وقد طلب الشفاعة من أحد، فبعضنا تسير معاملته وتقضى حاجته، وبعضنا يحاول ويتصل ويبحث وفي النهاية لا يخرج بنتيجة، ولكن سواء نلت ما طلبت أم لم تنل لن تحصل على أكثر مما قدره الله لك، وما عليك سوى بذل جهدك والعمل على تحقيق مبتغاك، ولا مانع من البحث عن المساعدة من هنا أو هناك.

واعلم أن من يتوسط لك ما هو إلا سبب لأمر مـــنّ الله به عليك، وسيتحقق عن طريقه أو عن طريق غيره؛ لأن الله كتب لك ذلك. وتذكر أنك اليوم في موقف الضعيف وستصير إلى قوة ـ بإذن الله ـ فلا تنس تلك اللحظات التي كنت فيها تلهث وراء هذا وذاك من أجل قضاء حاجتك، ولا تقل دعهم يكابدوا ويعانوا كما عانيت، ولكن تذكر أن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وانظر لمن جاءك يطلب شفاعة على أنه صاحب فضل وليس صاحب حاجة؛ فهو اختارك من بين مئات الناس وصيرك أحد جنود الله الذين تقضى بهم الحوائج ورفع منزلتك عند مولاك، فلا ترده؛ بل ابذل من أجله ما تستطيع.

فهد عبدالعزيز الغفيلي