لله يا محسنين

فهد عبدالعزيز الغفيلي
لله يا محسنين د. فهد الغفيلي

معظم الأشياء التي نعرفها ونتعايش معها في حياتنا الدنيوية لها طرفان، أحدهما إيجابي والآخر سلبي، وهذه حقيقة حتمية تنطبق على معظم الأمور لا محالة، فلكلٍ وجه حسن وآخر سيئ، من أراد أخذ بهذا ومن أراد أخذ بالثاني، وهكذا.

ولكن من أشد الأمور التي لها طرفا نقيض المسألة التي فيها سائل ومجيب أو معطٍ؛ فالسؤال منهي عنه، وصاحبه مستهجن مذموم، والمصطفى عليه الصلاة والسلام حين جاءه رجل يسأله الصدقة، أمره أن يشتري قدُّوما ويذهب ويعمل في جلب الحطب وبيعه مدة خمسة عشر يوما، وبعدها جاء ومعه عشرة دراهم، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: “هذا خير لك من أن تسأل الناس أعطوك أو منعوك”. كما أن المولى عز وجل يمتدح من يعرض عن المسألة في قوله تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} (273) سورة البقرة.

وعلى الجانب الآخر من هذه القضية هناك شخص محمود، وهو المعطي الذي ينفق ماله من أجل نصرة أخيه والوقوف بجانبه وسد رمقه بإطعامه وكسوته والوفاء ببعض مما يحتاجه، وقد أثنى الله جل وعلا على الشخص المعطي ووصفه بصفات عظيمة تصل إلى حد الإحسان، بل لقد رفع سبحانه منزلتهم وبشرهم بمرافقة الأنبياء والصديقين والشهداء.

والأعجب في نظري أنه كلما زاد المال وكثر وسهل الحصول عليه زاد الفقراء والمساكين والمحتاجون والمحتالون أيضاً، وهذه من المفارقات العجيبة التي إن لم تعالج بسرعة من قبل ولي الأمر، وفي الغالب لا يحلها سواه – بعد الله ـ فإنها تتفشى حتى تصبح ظاهرة تؤدي إلى نزع بركة المال ومحقه وهروبه من أيدي المجتمع بأسره، مع بقاء شيء منه في أيدي علية القوم، ولكن كثيراً منهم لا يطعمون منه جائعاً، ولا يكسون عارياً، إلا من باب المراءاة فقط، أي ليقال عنهم كرماء ومحسنون وهم أبعد ما يكونون عن الصفتين.

وكدليل على ما أقول، ولا أخالكم إلا وقد علمتم عن الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز الذي لم يبق في عهده فقير ولا مسكين، حتى وصل الأمر إلى رد الزكاة على بيت مال المسلمين لعدم وجود مستحق لها.

وعلى الجانب الآخر انظروا اليوم إلى البلدان الغربية من جهة والبلدان العربية من جهة، فالأولى حرصت أشد الحرص على الضمان الاجتماعي، فأغناها الله وسد حاجتها بذلك، ولاعتبارات أخرى، ولكن هذه أحدها ومن أهمها. بينما البلدان العربية، ومع كثرة مواردها وخيراتها، فقد انقسمت إلى أقسام منها تفرد ذوي السلطة بالمال، فاستولوا عليه مع حواشيهم والمستنفعين القريبين منهم، وتركوا للشعوب فتاتاً يقتاتون منه لا يكاد يفي بجزء من متطلباتهم.

وهناك بلدان قيض الله لها ولاة صالحين بذلوا ما بوسعهم وإن لم يصلوا لمرتبة عمر بن عبدالعزيز، ولكنهم بذلوا بهذا الجانب الشيء الكثير، منه ما هو مشاهد وواضح للعيان، ومنه ما لا يراه ويحيط به إلا القريبون من ذوي الاختصاص.

ومع كل ما تبذله تلك الدول المباركة وولاتها المجتهدون، إلا أن القصور ما زال قائماً، بدليل أننا ما زلنا نرى السائلين بصنفيهم المحتاج والمحتال، فلا هذا سُد رمقه ولا ذاك أوقف عند حده، ويظهر والله أعلم أن التعامل مع هذه الظاهرة المزمنة لضمان القضاء عليها – ولا يكفي الحد منها – أن يتكاتف جميع المنتمين لهذه الأمة من ولاة ومسؤولين ومؤسسات وهيئات حكومية وأهلية، بالإضافة للأفراد الذين هم معنيون بشكل خاص في هذا الأمر، وبتكاتف الجميع سوف تنتهي هذه الظاهرة ولن نراها أبداً، وسيترتب على ذلك الالتفاف والتكاتف أمور عظيمة جداً لا تقتصر على القضاء على التسول، بل تصل ـ بحول الله ـ إلى عزة ورفعة الأمة بأسرها واسترجاعها مكانتها السابقة بين الأمم، خاصة تلك التي كانت في زمن الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز ـ يوم كنا أمة قوية عزيزة وشعوباً آمنة لديها ما يكفيها ويزيد.

فهد عبدالعزيز الغفيلي