هل أنت معه

فهد عبدالعزيز الغفيلي
د. فهد الغفيلي

يأتي وصف الله ـ عز وجل ـ حين يتحدث عن رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويشير إليه بهذه العبارة الجميلة المُعَبِّرة فيقول ـ عز من قائل ـ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} (الفتح:29)، ثم يُثَنِّي بالذين معه دون أن يشير إلى أنهم مؤمنون، أو مسلمون، أو غيرها من الألقاب التي يستبدل بها المولى سبحانه وتعالى المعية المندرجة تحت إطار التبعية، وهذا ـ لعمري ـ أفضل وصف، وهو لا ينطبق على صحبه ـ رضوان الله عليهم ـ في ذلك المكان والزمان؛ بل يشملك ـ أنت ـ أيضاً يا من تقرأ هذا المقال! فأنا ـ يا صاحبي ـ على يقينٍ أنك ممن ينطبق

عليهم هذا الوصف ولا أُزكي على الله أحدا، ولكني تمعنت ذلك الوصف الذي ذكره ربي فقلت عنك ذلك؛ لما رأيت منك من ودٍّ، وإحسان، وتعامل بالمعروف، وعطف، وتراحم بين أبناء هذا الدين الخالد.

وإني لأعلم ـ علم اليقين ـ أنك موحد تؤدي جميع الواجبات المنوطة بك على الوجه المطلوب ـ بإذن الله ـ، ولكني يا أُخيَّ أريد تذكيرك هنا بأمرٍ مهم وددت منك ـ لو تفضلت علي ـ أن تتمعن فيه بجدٍّ، وهو ذلك الوصف وكيفية طرحه.

فربي بعدما ذكر وصف محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحبه ـ رضوان الله عليهم ـ قال عنهم إنهم: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً}(الفتح:29) إلى آخر الوصف. وحين يُقدّم المولى عز وجل وصفاً على آخر، فهذا لا يأتي عبثاً بل يقصد به بيان الأهمية؛ لما يتصف به المؤمن صادق الإيمان الذي يستحق أن يكون من أتباعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

وكما أن المسلم يؤدي أركان الإسلام الخمسة على وجهها الصحيح، فهو قبل ذلك يتعامل مع الآخرين بنفسية طيبة وأخلاق عالية، وكما قيل “الدين المعاملة”، فأنت حين تصلي وتصوم، كُلُّ ذلك لك، ولا تزيد غيرك شيئاً، اللهم إلا برفع معنويات الغيورين، وحث المقصرين.. أما حين تعامل الآخرين معاملة جيدة خالية من العنف والقسوة، محفوفة بالرفق، طابعها التسامح، فأنت بهذا تعكس صورة حسنة، وتعطي فكرة جميلة عن مجتمعٍ بأسره.. ولا ننس أن المسلم الحق قد يستخدم القسوة والشدة، وهي مقدمة على كل صفاته السابقة، ولكن في وقت محدد، ووفق ضوابط دقيقة لا يسع المجال لذكرها، ولكني مضطر لعرضها مع الكثير من الاختصار، فأقول: من يتخلف عن مجاهدة الكفار، ويحاول التنصل من هذا الواجب المقدس، لا يحسب ضمن المؤمنين صادقي الإيمان مهما فعل من الواجبات والسنن الأخرى؛ لقوله تعالى:}لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ* إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) (التوبة:44ـ45) وإن الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك اجتمعت فيهم الصفات كُلُّها، ولكنهم تساهلوا في أمر الشدة مع الكفار، فبقي وضعهم معلقاً حتى نزل قوله تعالى: }وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا{… إلى آخر الآية. (التوبة 118) كما أن للشدة ضوابط صارمة أيضاً، ومنها عدم قطع الشجر، أو هدم دور العبادة، أو قتل الرهبان أو النساء أو الأطفال، أي أن الشدة مطلوبة، ولكنها في زمن معين وضد أشخاص محددين.

وبعد كل ما سبق طرحه، بقي لدي سؤال صغير أود أن أختم به مقالتي هذه وهو: هل يليق بمن يقول إنه ينتمي لهذه الأمة، ويتشرف بالتبعية لرسولها ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويفاخر حين يذكر مثل هذا الوصف للمؤمنين، متمنياً أن يكون مشمولاً به، أن يستخدم العنف مع إخوانه ليأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، أو حتى يستخدم أسلوباً جافاً فظاً حين ينصح؟ سوف أبدأ بالإجابة عن نفسي قبل أي واحدٍ منكم لأقول: لا…. فمن يريد أن يكون مشمولاً بالتبعية والمعية، لابد أن يتمسك بجميع صفات المسلم، لا أن يأخذ منها ما يتماشى مع أهوائه، ويترك ما لا يتوافق مع شهواته ورغباته.

وإني على يقين أن إجابتك سوف تكون مطابقة لإجابتي حين أسأل: هل أنت مع الذي يتمسك بتلك الصفات؟ فإن كنت كذلك، فأنت تضم صوتك، وتضع يدك في أيدي أبناء هذه الأمة حين يكافحون الإرهاب ويستضيفون أجناساً شتّى من مختلف البلدان من أجل هذه الغاية.

فهد عبدالعزيز الغفيلي