يا لشدة غبائهم

ابليسالغباء أصناف متعددة.. ولكنني أظن أن الغباء الحقيقي يتمثل في الطريقة التي يفكر بها إبليس اللعين وذريته من الشياطين ـ قبحهم الله ـ! فإبليس حين أمره الله بالسجود رفض؛ بحجة أنه الأفضل، متناسياً أن المسألة ليست متعلقة بفاضل ومفضول. ولكنها متعلقة بتنفيذ أمر رب العالمين وتعظيمه وإجلاله، كما فعل جميع الملائكة حينها، ثم تبع نهجهم خيار الإنس منذ بدء الخليقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها..

ولم يقف غباء إبليس عند حد المعصية والتكبر، بل تعداها إلى التحدي، حيث يظهر ذلك في قول الله تعالى: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (الأعراف: 16ـ17).. وبالطبع اتصفت ذريته من بعده بالغباء وجُبلوا عليه، وعرف عنهم سذاجة التفكير، فحين كان إبليس يخبرهم عن الله أخباراً كاذبة؛ محاولة منه أن يصرفهم عن عبادته والامتثال لما خُلقوا من أجله، كانوا يصدقونه، جازمين حينها ألا أحد يمكن أن يكذب على الله..! وفي ذلك يقول سبحانه: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً* وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً} (الجـن: 4ـ5)

ومن سفاهتهم وغبائهم أيضا أن نبي الله سليمان ـ عليه وعلى رسولنا الصلاة والسلام ـ حين توفاه الله وهو واقف يراقب عمل الجن، حيث كانوا يقومون بأعمال شاقة لا يطيقها أحدٌ سواهم، وكانوا حينها يزعمون علمهم الغيب ومعرفتهم بالمجهول، فأراد الله سبحانه أن يفند ادعاءهم، ويثبت جهلهم بالغيب بأن أمات نبيه سليمان ـ عليه السلام ـ وكان متكئاً على عصاه، ومكث زمناً طويلاً على هذه الحال دون أن تدري الجن بموته..! وهذا يؤكد ـ إضافة إلى عدم معرفتهم بالغيب ـ سذاجتهم وشدة غبائهم..! فلو أعملوا عقولهم، وفكروا بما يدور حولهم؛ لتعجبوا من بقاء سليمان طوال تلك المدة دون أن يؤدي ما فرضه الله عليه من عبادات.. ودون أن يأكل، أو يشرب، أو يذهب لقضاء الحاجة..! حتى جاء الفرج بالنسبة لهم حين سقط سليمان عليه السلام نتيجة تآكل عصاه بفعل دابة الأرض..! وفي ذلك يقول سبحانه: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}(سـبأ:14)

ولكن أتدرون من الأشد غباء من إبليس وذريته..؟ إنهم أولئك الفئة الضالة من الإنس الذين اتخذوهم أولياء من دون الله، رغم معرفتهم التامة أنهم أعداء لهم، ولا يريدون لهم الخير، فإبليس توعد بني آدم أن يضلهم ويغويهم، وأخبرنا ربنا ـ عز وجل ـ بذلك في قصة خلق آدم عليه السلام.

وإني ـ والله ـ لأعتقد جازماً أن من قرأ تلك القصة بتأمل، وتدبر، وتفكر، لما عصى الله أبداً..! لأن من يأمر بالمعصية هو عدونا، وباغي ضلالنا وهلاكنا، والمتسبب في إخراجنا من جنة الخلد..!

وأنصح إخواني بالرجوع لقصة خلق آدم في سورة الأعراف (من الآية الحادية عشرة حتى الآية السابعة والعشرين) فقد قرأتها بتدبر وتمعن.. وتأكيداً لذلك ولكي تتحققوا من مقدار غباء أولياء الشيطان من بني آدم، ارجعوا إلى قوله تعالى في سورة إبراهيم: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ…}.. الآية (إبراهيم: 22) وقوله تعالى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ…}..الآية (الحشر16).. فمن سبق له قراءة تلك الآيات أو الاستماع إليها، ثم لم يتبرأ من الشيطان وأعوانه من الثقلين، فوالله لا أخاله إلا سيد الأغبياء..! مع العلم أن الشيطان حين يُغوي ابن آدم فليس ذلك بدهائه وكيده؛ فكيده ضعيف كما يقول الله تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}(النساء: 76).. ولكن لشدة غباء ذلك الإنسي..! والله الهادي إلى سواء السبيل.

فهد عبدالعزيز الغفيلي