يكفي سذاجة

فهد عبدالعزيز الغفيلي
فهد عبدالعزيز الغفيلي
يكفي سذاجة د. فهد الغفيلي

أقف حائراً حين أسمع عن بعض المواقف التي تحدث لبعض الأشخاص على اختلاف أعمارهم وجنسهم، ولكن في الغالب يجمعهم أمرٌ واحدٌ وهو أنهم سعوديون، ويعلم الله أني لأجزم أن ما يحدث ليس من باب الغباء؛ فأقول بوجوب مراعاة ذلك، ولكني أعرف قومي وأعلم أن معظمهم لا ينقصهم الذكاء، ولكن يعاب على بعضهم الكسل أو الثقة الزائدة التي توضع في غير محلها والانخداع بالمظاهر والاستعجال.

وسوف يأتي في سطوري القادمة ما يؤيد كلامي؛ كي لا يقال بأني أبالغ، ولكني حين أتحدث هنا فإني لا أرمي الكلام جزافاً أو أكتب من فراغ أو أروي حالات شاذة، فما سوف أتطرق إليه سمع عنه معظمكم، وأتمنى أن لا يكون قد حدث وأن لا يحدث لأي منكم.

أحب أن أبدأ بأكثر تلك المواقف إيلاماً وقد حدث عشرات المرات، ويتمثل في قيام بعض الأسر باستئجار عمالة منزلية ـ سائبة ـ أي غير معروفة من هي؟ ومن أين أتت؟ وأين تسكن؟ ومع من؟! ومع أن حكومتنا قد نظمت التعامل في مثل هذه الأمور ومنعت بل وشددت في منع التعامل مع العمالة مباشرة إلا عن طريق الكفلاء، وهذا فيما يتعلق بتشغيلهم في مجالات البيع والشراء والبناء وغيرها، ولكن أن تصل المخالفة ـ أو سمُّوها السذاجة ـ إلى إدخال امرأة مجهولة لتعمل في المنزل، وتؤتمن على كل شيء فيه حتى الأولاد، فهذا ما لا يمكن تصديقه!

وقد حدث أن قامت إحدى الأسر باستئجار إحدى تلك النساء السائبات وجعلت كل ما في المنزل تحت تصرفها، وحين خروج ربة البيت إلى المدرسة ـ ومن زيادة الحرص ـ قالت للعاملة: الله الله.. انتبهي للأولاد. وخرجت وكأنها بتلك الكلمات قد وضعت حراسة مشددة على المنزل بأكمله، إلا أنها حيث عادت مع أذان الظهر تحدث نفسها (الله يستر ما يكون طبخها شين وتفشّلنا مع أبونا)!! ولكن الصدمة كانت أشد من الغداء حيث دخلت ولم تجد الأولاد في استقبالها كالمعتاد فاعتقدت للوهلة الأولى أنهم نيام، ولكن حين لم تجد العاملة دخلت غرفة الأطفال فلم تجدهم كما كانت تظن، تسمرت في مكانها وعلمت أنها لن ترى “خلودي” ذا الثلاث سنوات، ولا “أمولي” ذات السنة والنصف، ولا حتى “عبودي” المولود الجديد الذي لم يكمل الستة أشهر بعد!!

موقف آخر يحدث أيضاً، فقد دأبت عصابات الاحتيال الإفريقية على اصطياد ضحاياها عن طريق بعث رسائل عبر البريد الإلكتروني بطرق عشوائية، وإخبارهم أن هناك ثروة ضخمة تعود لأحد الأثرياء الذي تركها بعد موته، وأنهم اختاروا المرسل إليه لتكون تلك الثروة من نصيبه، مقابل أن يدفع مئة دولار ـ مثلاً ـ كبداية، ثم تتطور تلك المئة إلى ألف، وبعد الدفع يتطور المبلغ؛ بسبب أجور المحامي وإنهاء الأوراق ودفع الرشاوي إلى مئات الآلاف وهكذا!

والعجيب أن تلك العصابات ركزت جهودها في الآونة الأخيرة على السعوديين بشكل خاص، وأعرف شخصياً أحد الأشخاص انخدع بإحدى تلك العصابات، حتى إنه باع منزله وجميع أملاكه وتصل قيمتها إلى مليون ونصف المليون ريال سعودي على أمل أن يحصل على ثروة أحد رؤساء الدول الإفريقية الذي اغتيل وترك ما يزيد على خمسة وعشرين مليون دولار أمريكي!

ولا أدري لماذا لم يسأل ذلك الساذج نفسه عن أسباب اختياره هو بالذات دون العالمين؟! مع العلم أن تلك الرسالة أُرسلت لعشرات الآلاف من الأشخاص، والعصابة على يقين أن من بين أولئك الأشخاص عدداً من السذج ممن تنطلي عليهم تلك الخدع، وما تركيزهم على السعوديين إلا دليل على أنهم وجدوا تجاوباً أكثر من كرماء ـ أو بالأصح ـ من سذج هذا البلد!

موقف ثالث يتعلق بالثقة الزائدة التي توضع في غير أهلها، حيث يحدثني صاحبي عن زيارة أحد الأشخاص له في مكتبه فيقول: إن ذلك الشخص جاء يشتكي على أحد الأشخاص ويطالب بالقبض عليه وتقديمه للمحاكمة، يقول صاحبي: وعندما سألته عن أساس القصة، أجابني: بأنه قام بتسليم شخص لا تربطه به إلا معرفة يسيرة مبلغ “خمسمئة ألف” ريال ومنحه تفويضاً تاماً بالبيع والشراء باسمه، وبعد أقل من سنة تحول ذلك المبلغ لأكثر من مليون ريال، إلا أن ذلك المواطن لم يعلم عن تلك الحقيقة إلا بعد هروب العامل إلى بلاده، والأدهى والأمرُّ أن هناك مبالغ مماثلة كديون على المحلات حل سدادها، وليس لديه ما يمكنه من سداد ولو جزء يسير منها حيث طارت “تحويشة” العمر مع ذلك العامل الخائن.

هذه بعض المواقف.. وهناك آلاف أخرى تحدث بشكل يومي، وسببها الوحيد: السذاجة، والمشكلة أن كثيراً من أولئك السذج لديه من الحرص ما يجعله لا يمنح الثقة لأحد مواطني بلده، ولا حتى ابنه ولكنه بالمقابل ينخدع بكلمتين من أحد العمالة حين يخبره عن الأرباح الهائلة، ويمنيه بأنه سوف يصبح ثرياً خلال سنة واحدة إن هو وضع يده بيده!.. وما علم ذلك المغفل أن الثراء يحتاج للبذل والتخطيط والاجتهاد، وليس الكسل والنوم!

أما ما يتعلق بتلك المرأة التي تركت أطفالها مع العمالة السائبة، فقد وقفت حائراً ولم أجد تفسيراً لما تفعل، فإن قلت: سذاجة، فهي كذلك، وإن قلت: لا مبالاة، فهي كذلك، وإن قلت: إن الرحمة نزعت منها إلى درجة جعلتها تترك أطفالها مع “لصة” لا تعرفها ولم تقابلها إلى ذلك اليوم الذي دخلت فيه منزلها، فهي أيضاً كذلك، وإن شئت فقل ما تريد تفسيراً لتلك الأعمال فكل شيء جائز!.. أما أنا فسأقول: “يكفي سذاجة”!!

فهد عبدالعزيز الغفيلي