لماذا بلاط أبيض؟

إن أكثر ما يغيظني وينفرني من السفر البري في بلادنا، دورات المياه؛ التي لا مفر لنا من استخدامها؛ بحكم توقفنا لتأدية الصلاة، واضطرارنا إلى دخول تلك الدورات الملحقة بمحطات الوقود. وبقدر ما تدره تلك الأماكن من أرباح خيالية لأصحابها، بقدر ما تجد دورات المياه هناك قذرة ـ أعزكم الله.

إنك وبمجرد دخول تلك الأماكن ستلاحظ البلاط أو الأرضيات وقد تغيرت ألوانها؛ إلى درجة لا يمكنك تمييز لونها الأصلي، أما الأماكن الداخلية الخاصة فحدث ولا حرج، روائح ومناظر مقززة، حتى إنه ليخطر ببالك أنك في أدغال أفريقيا، أو أفقر الأماكن في جنوب شرق آسيا، حيث البعوض والذباب يملآن المكان!

ولا أدري لمَ لا يقوم مالكو تلك المحطات بالعناية بها وتنظيفها؛ فالمسألة بالنسبة لهم غير مكلفة إطلاقاً، وأنا هنا لا أطالبهم بتخصيص عامل نظافة يدفع له مرتب أربعمئة ريال؛ بل إني أعرف أن أصحاب تلك المحطات يستخدمون تلك العمالة في كل شيء؛ بيع الوقود، وتغيير الزيوت، وجرد الحسابات، والإشراف على البقالات، ويستخدمونهم في أعمال إضافية أخرى، كالذبح والسلخ، وشراء احتياجات البيت، وغيرها الكثير.. فلمَ لا يكلفونهم تنظيف تلك الدورات والعناية والاهتمام بها؟!

ولكن من أمن العقوبة أساء الأدب، وهذا بالضبط ما هو حاصل في معظم الأماكن التي لا تخضع لرقابة كافية، وكثيرون أولئك الذين ماتت لديهم الرقابة الذاتية، وصاروا لا يتحركون ولا يتجاوبون إلا حين تقف فوق رؤوسهم، إما إن غفلت عنهم فإنهم يتجاهلون كل شيء، ولا يعتبرون إلا بما يدر عليهم الأموال الطائلة، أما دورات المياه والمرافق المشابهة فلا يبالون بها، ولا تمثل لهم شيئاً، وما علم أولئك أن تلك المرافق هي عنوان نظافة المحطة ومن يديرها، وتدل على صدق تعامله، وأن كثيراً من الناس قد يهرب من تلك الأماكن إلى غيرها بسبب الغثيان الذي يحصل له حين يشاهد تلك المرافق الملحقة بها.

وكم كنت أتمنى لو مارست البلديات دورها وراقبت تلك الأماكن، وألزمت أصحابها بالعناية بها، واشترطت توظيف عامل مخصص لتنظيف جميع المرافق الملحقة بمحطاتهم. وأنا هنا لا أطلب من البلديات ندب أشخاص لمتابعة تلك الأماكن ـ مع أن هذا واجبهم ـ، ولكني أقول تجاوبوا مع الناس ووظفوهم لحسابكم بشكل تطوعي، ولا تنفقوا ريالاً واحداً إلى أيٍ منهم، فقط ضعوا رقم الجهة المختصة لديكم في مكان بارز قريب من تلك الدورات، واطلبوا منهم الاتصال في حال وجود أي ملاحظة.

قبل أن أختم، لعلي أذكر أمرين، أحدهما أذكره على استحياء، ويتعلق بحال مساجد تلك الأماكن؛ فالسجاد تصدر منه روائح كريهة، وممزق، ويكسوه الغبار، وحتى المصاحف ـ إن وجدت ـ فهي ممزقة في الغالب، ولا تسلم من الغبار، وموضوعة في صناديق خشبية مهترئة.

أما الأمر الآخر، فهو يحيرني دائماً، ولا أعلم سبباً له، ويتعلق باستخدام البلاط الأبيض في جميع دورات مياه المرافق العامة، سواء التابع منها للمساجد أو الأسواق أو المدارس! وقد فكرت مراراً وتكراراً، وسألت ذوي الاختصاص والجهلة في هذا المجال، فلم أجد جواباً مقنعاً! ومصدر استغرابي هو إذا كان ذلك البلاط أو السيراميك الأبيض في منطقة مبللة بالمياه، ومرتادو تلك الأماكن يأتون إليها وأحذيتهم مليئة بالأتربة والغبار، وبمجرد مرورهم فوق تلك البلاط ينقلب لونه وتظهر البقع فيه، وأنت بحاجة لعامل نظافة يمسح المكان عند دخول كل شخص، ولا فرق هنا بين أحد؛ فحذاء الغني والفقير متساويتان، وكلتاهما محملة بالغبار، وأنا أقول لمَ لا تستخدم الألوان الغامقة المطفية التي لا تظهر آثار الحذاء؛ لعلها تخفي بعض الإهمال الحاصل الآن؟!