مساكين أطفالنا

نحن كمجتمعات عربية نختلف عن غيرنا من المجتمعات، فكل شيء يتعلق بنا متعب ومرهق، فالرجل لديه من الأعباء الأسرية والالتزامات الاجتماعية ما تنوء بحمله العصبة من الرجال، وكذلك الحال مع المرأة التي لديها من العادات والمتطلبات المرهقة الدخيلة ما يكفي جزء يسير منه لإصابتها باضطرابات نفسية مزمنة.

أما أطفالنا فحدث ولا حرج، فالطفل منذ سنواته الأولى يصبح محروماً من أبويه، لانشغال الأب بقضاء احتياجات المنزل في النهار، وأداء حقوق الزملاء والأصدقاء والسهر معهم في الليل، والشيء نفسه للأم التي انشغلت بهموم كثيرة، منها المنزل والسوق وزيارة الأهل والأقارب والصديقات.

وما أن يبلغ الطفل سن السادسة أو السابعة حتى تبدأ معاملته وكأنه ابن عشرين سنة، يقاد مع والده في المناسبات، فيحضر ويصب القهوة والشاي، ويظن والده أن فعله هذا سيجعله رجلاً دون أن يدري أنه يحرمه طفولته.

أما العقاب الحقيقي للطفل فهو حين يدخل المدرسة فيعطى من المواد التي تحشو رأسه وتشل ذهنه وتمنعه من التفكير، حتى يشب ويتخرج من الجامعة وهو على هذه الحال، دون أن يدرك المعنيون بالأمر أن هذه الطريقة خطأ، وأن مطالبة الطفل أو الطالب بحفظ معلومات ليس لها قيمة (وأقصد هنا تلك المعلومات الزائدة عديمة النفع الديني والدنيوي)، بل وإلزامه حفظها حرفياً وكأنها قرآن، يضر بالطالب ويزرع فيه الروتين ويسبب له الكآبة والملل والنفور من المدرسة. وأذكر أن ابنة أحد الزملاء كادت تصاب بعقدة من مادة الجغرافيا، بسبب أن تضاريس عمان في المنطقة الشمالية متعرجة، وتضاريس الإمارات في المنطقة الجنوبية غير مستوية، فهي تخلط بين جنوب الإمارات وشمال عمان، ومستوية ومتعرجة.. وأنا أقول متعرجة أو مستوية دافئة أو معتدلة (إحنا مالنا؟) وما الذي أضافته لأي منا تلك المعلومات الناشفة، غير الصداع؟!

الكلام حول هذا الموضوع يطول، وأختم بآخر المستجدات، وهو حرمان الأطفال من متعة ركوب السيارة والتعرف على الطرق والأماكن بعد موضة تركيب جهاز التلفاز فيها، فأصبح الطفل ليس له هم إلا مشاهدة خيالات “توم وجيري” في كل مكان، أما الحقيقة فلا يراها إلا وقد فات الأوان، بعد أن يكون قد اصطدم بالواقع المر، وأحمد الله أن المجتمع ليس كله يفكر بالطريقة نفسها.