يوم لك وأخر عليك

فهد عبدالعزيز الغفيلي

الدنيا لا تدوم على حال، ولم يعط أحد قط عهداً بالنعيم الدنيوي الدائم، فحتى وإن كان ظاهر حال بعض الأغنياء السعادة والهناء والتنعم بما هم فيه من رغد عيشٍ وأموال وخدم وحشم، إلا أن حقيقة أمره تختلف تماماً عما يظهره حاله.

فجائع الدهر ألوان منوعـــة    وللزمــان مسرات وأحزان

وهذه الدار لا تبقي على أحدٍ    ولا يدوم على حالٍ لها شان

وكم من إنسان عاش في نعيم وبحبوحة من العيش يتمناها كل من سمع به، إلا أن الأحوال لا تدوم، فإما أن يسلب نعيمه فجأة، وبين عشية وضحاها، وإما أن تأتي صروف الدهر فتستلب منه، ليس ما يملك، بل لذة التمتع بما يملك، وهذا لعمري أشد وأقسى من سابقه.

وبالطبع فالشواهد على النموذج الثاني كثيرة ولا تحصر، فكم من إنسان عاش في هذه الحياة عيشة من يظن أنه مخلد، حتى أتته الشيخوخة والمرض والعجز فسلبت منه لذاته وتركته في حال تزوغ عيناه في نعيم لا ينتفع منه بشيء، وكأنه السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً!

وإني حقيقة لأعجب من اثنين..! أولهما، رجل أعطي منصباً دنيوياً فبغى وتجبر وتكبر وآذى من تحت ولايته ولم يخش الله فيهم، مع يقينه أن هذه مناصب زائلة في وقت محدد وبقرار بشري يصدر في لحظة ويسلب المنصب، ثم يعود ذاك المتغطرس شخصاً أقل من عادي لا يلوي على شيء.

أما الآخر فهو ذلك الشخص الذي آتاه الله ملكاً أو منصباً أو مالاً خالصاً له فقط، لا يشاركه فيه أحد، فبذل عمره وأفناه في الحفاظ على ما أوتي وزيادته، ولم يعمل شيئاً يبقي له ذكرى حسنة بين الناس وينفعه بعد مماته، ويكون عزاء له في شيخوخته وهرمه، يوم يرى كلاً يأكل من خيره ما لذ وطاب من المآكل إلا هو، فيأكل قطعة خبز يابسة وما شابهها من أطعمة ربما لا ترضي المعدم الفقير.

وبالطبع فمسألة دوام الحال، كما قيل، من المحال، وهي متغيرة، إما أن يخسر الإنسان ماله فيفقر، أو يهرم ويسقم فينشغل عما لديه، أو يأتي من يستلب منه ملكه استلاباً ويأخذه عنوة، وشواهدها كثيرة، وآخرها ما حصل في العراق حين رفع الله أقواماً بعد أن وضع آخرين، وصار المُطارِدُ طريداً والسجان سجيناً.

وفوق النكبة ما هو أشد منها وقعاً وأكثر إيلاماً، وهي شماتة الشامتين المتربصين بالسقطة، وينتظرونها لتأتي بهذه الطريقة التي لا يمكن أن تأتي بأحسن منها لهم. خاصة وأن من سقط كان قد ظلم ونهب وعادى وتجبر وطغى وليس له من الإحسان ما يشفع له.

ومع أن السقوط مهما كان مريراً، إلا أنه بعضه أخف وطأة من بعض، فلو نظرنا سقطة “البرامكة” وكيف نكل بهم “هارون الرشيد” حيث قتل “جعفر بن يحيى” وصلبه وسجن أباه وأخاه وصادر أموالهم، إلا أنهم كانوا قد صنعوا من المعروف ما حفظه لهم الناس حتى بعد سقوطهم واستلاب أملاكهم، ومنه قول الشاعر “الرقاشي” يرثى “جعفراً” ـ وهو من أجمل ما قيل في الرثاء ـ حيث يقول:

أمـــا والله لولا خوف واشٍ           وعين للخليفة لا تنـــــــامُ

لطفنا حول جذْعِك واستلمنا           كما للناس بالحجر استلامُ

وقد أغضبت تلك الأبيات “الرشيد” حتى وصل به الأمر إلى استدعاء “الرقاشي” وسأله كم كان يعطيك جعفر؟ فقال: ألف دينار كل سنة، فأمر له الرشيد بألفي دينار.

وهنا ما أريد الوصول إليه، فالحال متغير لا محالة {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (140) سورة آل عمران. والملك زائل، والشباب إلى شيخوخة، والعافية إلى سقم، ولكن السؤال: هل يقال خيرٌ ساعة الوداع وبعدها؟ أم يكتفي أقلهم تشفياً بقوله: “لا رُدّ”؟!