دكتور ولكن ما يزال أميا

يتصرف بعض الأشخاص ـ أحياناً ـ بطريقة فجة توحي لمن يراه أنه مغيب عن هذا الكون ولا يدري ما يدور فيه! ورغم ما وصل إليه بعضهم من منصب ومعرفة وحسن اطلاع وألقاب كمهندس أو دكتور أو ضابط، إلا أن طريقة تفكيرهم لم تتغير.. وما تراه وتسمعه منهم يدعو للعجب، ويجبر من سمع أو شاهد بعض أفعالهم على القطع أنها صدرت من أشخاصٍ لا يمتون للثقافة بصلة، بل لا أبالغ حين أقول إن بعض التصرفات والسلوكيات التي يتعامل بها بعض الناس تجعلك تجزم أنهم جهّال لم تسنح لهم فرصة التعلم فبقوا على جهلهم غير مدركين السليم من العليل، والصحيح من الخاطئ.

ولكي تتحقق مما أقول، ما عليك إلا أن تخرج إلى الشارع وتقف عند إحدى إشارات المرور لتشاهد بعينك نموذجاً من أولئك الأشخاص؛ حيث تجده يأتي من أقصى اليمين متجاوزاً جميع السيارات الواقفة ليقف في المقدمة ويغلق الطريق أمام السائقين الآخرين، ولو سألته عن تصرفه لقال لك وبكل تبجح: إنه مشغول ومستعجل! وهل أنت الوحيد المشغول والمستعجل؟! وما الذي أخرج معظم هؤلاء الذين يقفون معك في نفس المكان سوى الشغل، ولكنهم على درجة من الوعي جعلتهم يشعرون بحق غيرهم، بخلافك أنت حيث صيرك جهلك إلى شخص أناني لا يشعر بمن حوله!

ثم إنه لا يكتفي بتلك المخالفة بل يستغل وقته في تنظيف علبة السجائر؛ فيرميها في الشارع دون مراعاة أو احترام لمشاعر من يقف بجانبه وحقه في بقاء الطريق نظيفاً (ولكن من أمن العقوبة أساء الأدب) ثم يرمي بالعلب الفارغة وغيرها من النفايات، وإن تبقى وقت أدخل إصبعه في أنفه، ولم يشغله ذلك عن الالتفات يمنة ويسرة و”البحلقة” في هذا والنظر في ذاك؛ فهو يؤدي مهمتين في وقتٍ واحد! وإن نظرت إليه ساءك منظره وإن انصرفت عنه لم تسلم من نظراته.

والجهل لا يقتصر على ذاك فقط؛ بل يتعداه إلى ما هو أسوأ، وإن من الجهل حين يقوم أحد الأشخاص بداعي الثقافة والعلم والتطور والحضارة بإدراج كلمة أجنبية في كل عبارة يقولها، وفي حشر كلمة أخرى بين كل كلمتين يتحدث بهما، ولا أعلم سبباً لهذا الجهل المطبق! والمشكلة أن هذه الظاهرة تنتشر في الغالب بين حاملي الشهادات العليا؛ بل مع الأسف أن يصل الحال ببعضهم إلى التخاطب بلغة غير لغتهم الأم، وما علموا لجهلهم أن ذلك دليل انحطاط وليس رفعة، وعلامة تخلف وليست تقدماً، ويعلم الله أن أصحاب اللغة أنفسهم يزدرون من يهجر لغته ويستبدل أخرى بها، فمن فرط في لغته هان عليه التفريط فيما سواها.

يقال إن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ حين سُـئل عن الخلافة وكيف رأى نفسه بعدها، أجاب: إنه هو من أضاف للخلافة ولم تضف الخلافة له شيئاً. وبالفعل حين تُمعن النظر في سيرة علي ومواقفه، وأنه أول من أسلم من الصبيان ومبيته في فراش النبي عليه الصلاة والسلام ليلة الهجرة، بالإضافة إلى كونه زوج ابنته وأحد المبشرين بالجنة، وغيرها الكثير مما يصعب حصره لعلمت أن الخلافة شيء يسير أضيف لأمجاد عديدة، ومن هنا لم تزد الخلافة علياً إلا تواضعاً وعطفاً ورحمة واحتراماً، ولكن ما يؤسف له أن هناك بعض الخاوين الذين بمجرد حصول أحدهم على منصب أو درجة علمية يتغير ويتبدل لدرجة لا تعرف معها كيف تكلمه أو تتعامل معه، وهذا عائد إلى الجهل الذي يحاول صاحبه تغطيته بالتبجح بما لديه وما حصل عليه من مكاسب مادية ليست ذات قيمة حقيقية، ولكن الشمس لا تحجب بغربال والإنسان الفطن قادر على التمييز بين الغث والسمين.

تحدث أحياناً مواقفُ تدل على ما أقول وتثبته خاصة في بعض الحالات التي يتمكن من خلالها بعض الأشخاص من إظهار عنجهيتهم وغطرستهم بسبب ما حصلوا عليه من مكانة ورفعة أو درجة علمية، وعلى سبيل المثال لا الحصر يحدثني أحد الأصدقاء قبل مدة فيقول: إنه ذهب إلى الجامعة ليسأل عن نتيجة امتحانه في إحدى المواد، وقد اكتشف أنه رسب فيها وكان يعتقد أنه سيحصل على تقدير لا يقل عن جيد جداً، فذهل من النتيجة، ولكن ما أذهله أكثر أنه عثر على اسم أحد زملائه وقد نجح بتقدير جيد جداً، وليست المشكلة في أن زميله كان أقل مستوى منه أو أنه كان متخوفاً من تلك المادة وتوقع أن يرسب فيها، ولكن الإشكال يكمن في أن ذلك الطالب الذي نجح بتقدير جيد جداً قد توفي قبل الامتحانات بشهرين!.. فلا أدري بأي منطق تعامل ذلك الدكتور مع طلبته ولكنها أمية التفكير التي قادته إلى التصرف بهذه الطريقة.

في الحقيقة أننا ومهما تحدثنا عن تلك التصرفات الصادرة عن بعض من نعتقدهم وصلوا إلى مرحلة من العلم والمعرفة تحول بينهم وبين ما يجلب لهم استهجان الآخرين، ومهما قلنا عن الأمية وأطلقناها على من لا يعرف القراءة والكتابة إلا أنها تبقى أمية محمودة حين نقارنها بأمية الفكر؛ فالله سبحانه وصف نبيه عليه الصلاة والسلام بالنبي الأمي، ووصف أمية الفكر والتصرف والسلوك بالجهل والظلم والضلال.. أعاذنا الله وإياكم من ذلك النوع من الأمية.