ذروة الخجل

فهد عبدالعزيز الغفيلي

هناك أمور يجب أن نتأملها بتأن وتمعن لنفهم حقيقة المراد منها، فبعض الأمور قد تبدو لنا من الوهلة الأولى وكأنها لا تحوي ما يوجب التوقف عنده، ولكن من يوفق إلى التوقف والتمعن والتأمل يجيد أن ما شاهد أو سمع أو قرأ ليس غير جبلٍ جليدي لا يظهر منه إلا الجزء اليسير، ولتتضح الصورة أدعوك عزيزي لتأمل قول المولى جل وعلا {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (245) سورة البقرة إن كنت قد توقفت عند هذه الآية واستشعرت المعنى الخفي العظيم المتمثل في روعة الخطاب الرباني وطريقته في الترغيب بالإنفاق ووصفه بالإقراض، وحين تسأل النفس عن المقرض والمقرض (بكسر الراء في الأولى وفتحها في الثانية) بالتأكيد أنك ستضع كلتا يديك على وجهك خجلاً وتقول: أيعقل أن يقرض العبد الذليل سيده العظيم؟ وهل يحتاج الملك لمن يقرضه؟ ثم حين تسترجع الحقيقة وتعلم أنك حين تنفق فإنما تعطي شيئاً يسيراً من الفضل بعون وتوفيق المتفضل، فأنت في النهاية مدين بثلاث في هذه فقط: فلديك خير كثير، وأنت تعطي نسبة لا تذكر منه، ثم إنك حين تعطي فهذا بفضل الله الذي وفقك لذلك بينما تعلم أن هناك الكثير من المحرومين، والأهم من ذلك أنك تفعل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا، إلا في هذا الموضع فقط حيث الكسب مضمون وإن أقرضت ريالاً فستكون عوائده ليس ريالان، ولا عشرة، ولا مئة، بل سبعمائة ريال وقد يزيدك المقترض بمقدار لا تحصيه، وهذا لتقريب الصورة وإلا فالكيفية غير معلومة ولكن الربح مكفول {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (261) سورة البقرة، وبعد كل ذلك هل يتوقف أحدنا ويتمنع للحظة واحدة قبل أن ينفق، والله ثم والله إن الخطاب الرباني وحده ليذيب كل العوائق التي قد تحول بين المرء وما يقربه إلى الله، ولكن بشرط التأمل والبعد عن الغفلة، وحينها فقط سنشعر بالخجل الشديد من روعة الخطاب، وسيكون الخجل على قدر الفهم .. فتصدق ولو باليسير واحشر نفسك في زمرة المقرضين.