ردود مفحمة

فهد عبدالعزيز الغفيلي

كثيراً ما سمعت ردوداً كانت كافية للإجابة عن السائل وإزالة الإشكال الموجود لديه، أو لجم جموحه إن كان يريد من سؤاله أغراضاً أخرى أبعد من السؤال نفسه. والإجابة أو الرد المفحم ليس شيئاً نشتريه ولا علماً يطلبه المرء ليصبح ذا منطق وحجة بيّـنة؛ بل هو إلهام من المولى عز وجل وهو القائل في محكم تنزيله {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ} (الأنعام، آية83).

حقيقة الأمثلة على ذلك كثيرة ومن أشهرها إجابة الخليل عليه السلام للنمرود حين كان يدعي الربوبية فأبهته بقوله: {فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} (البقرة، آية258) وأيضاً في غزوة أحد حين كان أبو سفيان بعد انتهاء القتال يخاطب المسلمين بقوله: اعل هبل، فقال رسول الله عليه السلام: ألا تجيبونه؟ فقالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل.

ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال عليه السلام: ألا تجيبونه؟ قالوا: ما نقول: قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، ثم قال أبو سفيان: أنعمت فِعال يوم بيوم بدر، والحرب سجال، فأجاب عمر وقال: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.

والحقيقة أن تلك النوعية من الإجابات كثيرة، ولعلي أورد هنا موقفاً يسجل بمداد الذهب وإجابات كانت مفحمة ومزيلة لأي لبس وكأنها الشمس التي تزيل الصقيع أو النار التي تذهب الصدأ عن الحديد، ذاك الموقف الذي حدث للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني البغدادي المتوفى سنة 403هـ حين طلب إمبراطور القسطنطينية من الخليفة العباسي أن يرسل له أحد علماء المسلمين ليناظر حبرهم الأعظم، فندب الخليفة العباسي الباقلاني ليناظرهم وكان أعجوبة زمانـه في العلم وقوة الحجة، وكان يلقب بلسـان الأمة وشيخ السنـة، وكان مضرب الأمثال في الذكاء وسعة العلم. وكيف كان تعامل الباقلاني مع الموقف منذ البداية حيث يذكر التاريخ أنه رفض أن يخلع عمامته عندما دخل قصر الإمبراطور بل إنه أصر على عدم نزع نعليه لما طلب منه ذلك وقال: لا أفعل ولا أدخل إلا بما أنا عليه من اللباس وقال: أنا رجل من علماء المسلمين، وما تطلبونه مني ذل وصغار، والله قد رفعنا بالإسلام وأعزنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وأيضاً فإن من شأن الملوك إذا بعثوا رسلهم إلى ملك آخر، رفع أقدارهم، لا إذلالهم. خاصة إن كان الرسول من أهل العلم. فما كان من الإمبراطور إلا أن رحب به ووافق على طلبه وشروطه.

ولعلي هنا أعلق على هذا الموقف لأذكر فقط أن الإجابات المفحمة لا يمكن تعلمها ولكنها إلهام من الله عز وجل لا تعطى كل أحدٍ، ولكن من كانت تلك مواقفـه فستكون إجاباته كما سيرد من الباقلاني ومن كانت تلك إجاباته فستجد مواقفه بنفس الطريقة أي لا يمكن أن تجتمع الإجابات المحنكة مع المواقف الضعيفة المبدوءة بالتنازلات.

ولعلي أذكر إجابتين مفحمتين: الأولى كانت رداً على سؤال الإمبراطور الروماني حين سأله عما جرى لزوجة نبيكم يقصد عائشة في حادث الإفك وكان يقصد إحراجه فكان رد الباقلاني صاعقاً حين أجابه: أن الله برأها من فوق سبع سموات كما برأ مريم بنت عمران مع أن عائشة لم تأت بولد.

الموقف الآخر حين حضر بابا الكنيسة الشرقية في ذلك الزمان مجلس الإمبراطور للمناظرة فسلم عليه الباقلاني ورحب به وسأله عن الأهل والولد؟ فتغيرت وجوه الحاضرين وقال الإمبراطور: أما علمت أن الراهب يتنزه عن هذا! فرد عليه الباقلاني: تنزهون الراهب عن هذا، ولا تنزهون رب العالمين عن الصاحبة والولد؟!

حقيقة المناظرة جميلة والإجابات كانت مفحمة، وما يميز موقف الباقلاني وردوده أنها صالحة للاستخدام في كل مكان وزمان، ويعلم الله لو كان منا من يتصف بما كان عليه الباقلاني وغيره من علماء المسلمين السلف لما رأيت حالنا كما هو عليه اليوم، ولكنها مشيئة المولى عز وجل الذي يعطي الحكمة من يشاء، ومن يعطها فقد أعطي خيراً كثيراً.. نسأله سبحانه أن لا يحرمنا فضله.