هل من مزيد

هل من مزيد د. فهد الغفيلي

تتوق النفس البشرية إلى طلب الزيادة، ولا ترضى بما حصلت عليه، ومهما أعطيتها فلن تقنع، أو بالأحرى، دعني أقل لن تكتفي بل ستطلب المزيد.

فالنفس حين يكون صاحبها طالباً المال فلن تتركه في حاله، بل ستشغله بطلب المزيد، وكلما أشبع رغباتها تلهفت للمزيد، وقد صح عن رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: “لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيا ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب” (صحيح الجامع: 5288).

ومن الأنفس من تهوى مشاهدة المحرمات؛ فهي تبدأ بالنظر العفوي، وهذا موجود لدى كل أحد، ثم يتطور ذلك إلى التحقق مما شاهد، وهذا بداية الإشكال، وهنا مفترق الطرق، وهذا هو المحك الحقيقي وهنا الفرق بين الأشخاص، فمنهم من يصرفها عن المشاهدة والانشغال بما ليس من شأنها، ومن هم من يسمح لها بما أرادت؛ لاعتقاده أن الأمر لا يعدو كونه مشاهدة عابرة.

إلا أن النفس لا تكتفي بتلك المشاهدة، بل تطلب المزيد، حتى تجر صاحبها إلى مشاهدة أشياء ما وضعت إلا لإشباع الأنفس المريضة؛ ثم إن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل إن النفس لتطلب المزيد والمزيد حتى تقود صاحبها إلى تجربة وممارسة وتطبيق ما شاهدته.

وبالمقابل فهناك أنفس متلهفة لطلب العلم والبحث عن حلق الذكر والرقي والتفوق والإبداع والابتكار والتجديد، فهي مشغولة بهذه الأمور وتتوق إليها باستمرار، وما من فرق بينها وبين سابقتها إلا أن الأولى أُفسح لها المجال وتُرك لها الحبل على الغارب فتاهت وفسدت. أما الثانية فقد أجبرها أصحابها وأشغلوها بهذه الأمور، حتى صارت لا تقوى صبراً على فراقها فأعانت أصحابها على ما ينفعهم ويفيدهم.

وزكريا عليه السلام الذي لم يُرزق بذرية وعاش فرداً وحيداً مع امرأته قانعاً شاكراً، ولكنه حين تكفل بمريم عليها السلام – وكان يدخل عليها المحراب – ويجد عندها الطعام ويسألها من أين لكِ هذا؟ فتجيبه بأنه من الله، عندها تاقت نفس زكريا عليه السلام إلى الذرية رغم أن نفسه مشغولة بأمور كانت بالنسبة له أهم، إلا أن النفس حين عايشت من هو في حكم الابن وأحست ببركته رغبت الحصول على ما هو أكثر، وفي ذلك يقول الله عز وجل {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ* هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء}(37-38 آل عمران).

وقد قيل في وصف الطفل بأنه كالنفس إن تتركه شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم، ومن هنا فإنه لا علاج ولا حلّ للنفس السقيمة سوى إخضاعها بالقوة، حتى لو قاست وعانت وتألمت في البداية، ولكن النتيجة النهائية ستكون ظفر الإنسان وكسبه الشيء الكثير. أما بالنسبة لتلك النفس التواقة للأمور النافعة التي ذكرناها فطوبى لأصحابها، ويجدر بهم أن لا يكبحوا جماح تلك الأنفس، بل يطلقون لها العنان لترتع وترتوي وترفع أصحابها.

و الاختراق الفكري د. فهد الغفيلي