حين يعجز الخيال

حين يعجز الخيال د. فهد الغفيلي

نسمع أحياناً وصفاً لشخص أو مكان أو حالة تبهرنا، فيحث الخيال الخطى بحثاً عن صورة تلائم الحال؛ بغرض تقريب الصورة وتسهيل الفهم، مما يترتب عليه تكريس الحالة العاطفية سلباً أو إيجاباً، وقد ينجح في ذلك أو قد يفشل؛ إما بتضخيم الصورة أو تحجيمها، والشواهد على ذلك كثيرة؛ ومنها حين نسمع عن منطقة سياحية، فيبدأ الخيال جلب أفضل الصور المتوافرة لديه عن جمالية الأماكن، ونفس الشيء ينطبق على الأشخاص سواء تميزوا باللطف، أو العلم، أو القوة، فالخيال جاهز وقد ينجح. وعلى الجانب الآخر رأيت الخيال لا يقترب من بعض الصور؛ فإن كان على سبيل المثال أخبر بالفشل في تصور نعيم الجنة في الحديث القدسي الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فالفشل حتمي هنا، ورأيت العقل في مواضع أخرى لا يجرؤ على التخيل ومن ذلك تصور قوله تعالى: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (75) سورة الزمر ورغم أن مسألة الرؤية واقعة لا محالة ولكن الخيال يتعطل عندها وهناك أيضاً قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (67) سورة الزمر وهذه لا يمكن استيعابها أيضاً. والشواهد كثيرة، ولكني قصدت تبيان محدودية العقل البشري وعجزه عن الإحاطة إلا بالقليل جداً، ولعل هذا يعينه على تجاوز كثير من التساؤلات الفلسفية التشككية..