إيجابية المعاناة

كان جعفر بن أبي طالب من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحين عاد جعفر من الحبشة ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرح به فرحاً شديداً، وقبل جبينه وقال: ” ما أدري بأيهما أنا أُسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟“. وكانت خيبر من أعظم انتصارات المسلمين في العهد النبوي والتي بشر بها الله سبحانه وتعالى بعد صلح الحديبة فقال في سورة الفتح آية (20): ( وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا). وكان عبد الله بن أبي رواحة من أرفع الصحابة منزلة ولم تفته مناسبة فقد شهد بيعة العقبة وغزوة بدر وبيعة الرضوان وكان فارساً وشاعراً وله الأبيات المشهورة التي كان كثيراً ما يرددها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه التي تقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا …. فأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا …. إن الألى قد بغوا علينا …. وإن أرادوا فتنة أبينا. وكان زيد بن الحارثة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاه وكان يعرف بزيد بن محمد حتى نهى الله نسبة أحد إلى غير أبيه. وزيد رضي الله عنه هو الصحابي الوحيد الذي ورد اسمه في القرآن في سورة الأحزاب الآية (37) (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبعث سرية فيها زيد إلا أمره عليها، وفي ذلك تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة في جيش قط الا أمره عليهم ، ولو بقي حيا بعد الرسول لاستخلفه. وفي غزوة مؤتة أو كما تسمى غزوة الأمراء جهز الرسول صلى الله عليه وسلم جيشاً لغزو الروم وحلفائهم من العرب ”الغساسنة“ في شمال الجزيرة العربية وأمر عليهم زيد بن الحارثة وقال عليه السلام عندما ودع الجيش: ”عليكم زيد بن حارثة، فان أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة“. ويروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: ” أخذ اللواء زيد فقاتل به فقُُتل، رحم الله زيداً .. ثم أخذ اللواء جعفر وقاتل وقُتل، رحم الله جعفراً .. ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وقاتل فقُتل، فرحم الله عبد الله ” فبكى الصحابة، فسألهم رسول الله : “ما يبكيكم ؟.. ” فقالوا : وما لنا لا نبكي وقد ذهب خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا تبكوا فإنما مَثَل أمتي مَثَل حديقة قام عليها صاحبها فأصلح فسائلها، وبنى مساكنها ، وحلق سعفها. هذه الرواية وغيرها مما يدل على أن الخسارة المادية ليست نهاية المطاف. فالنبي صلى الله عليه وسلم يشبه الأمة بالحديقة التي تقص أشجارها لتكبر وتعطي ثمرا أكثر. ورغم جلل المصاب إلا إن إحدى الرويات ذكرت أنه صلى الله عليه وسلم قال: ”حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله – يعني خالد بن الوليد – حتى ففتح الله عليهم“ . فوصف هذه الغزوة بالفتح يدل على التركيز على الإيجابيات المتحققة رغم الخسائر المادية. وشاهد القول أنه في كل الأزمان هناك من يحسب الخسارة والربح بمعايير مادية فقط ويتجاهل المكاسب المعنوية وربما لا يدرك المكاسب المادية المتأتية لاحقاً. ولهذا فمن المهم عدم الاكتراث لآراء المخذلين الذين يعارضون الدخول في صراعات دولية تكره بعض البلدان على الدخول بها ورغم خسارتها المالية والبشرية إلا إن الربح متحقق، ولكن أولئك الأشخاص بتعمدون التعامي عن المكاسب ويلفتون الأنظار إلى الخسائر ويضخمونها، وما حدث في غزوة مؤتة وكثير من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم يفند أقوالهم، لهذا من المهم الحذر من تلك الكتابات المخذلة.