أحياناً أعجز عن التصديق

حدث العاقل بما لا يُعقل فإن صدق فلا عقل له. هذه مقولة جميلة تشكل منهج للتعامل مع ما ينقل إلينا وأنه ليس كل ما يقال يصدق، خاصة في زمن كثرت فيه الإشاعات والافتراءات وسهل تداولها بين الناس. ولكن هناك حقائق ثابتة لا يمكن انكارها على الرغم من غرابتها وعدم قدرة العقل البشري على استيعابها، فحين أقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } (97) سورة البقرة، وأتأمل هذه الآية أصل إلى درجة أقولها معها إن هذه الحقيقة لو لم ترد في القرآن الكريم لما صدقتها؛ إذ كيف ببشر ضعيف واهي مليء بالعيوب يعادي ويبغض هذا الملك العظيم الذي وصفه الله بالقداسة والأمانة، ثم ما العلاقة التي تجمع بين المبغض (بكسر الغين) والمبغض (بفتحها) وتدعوه لاتخاذ موقف سلبي تجاهه. ولكن إيرادها أظنه رسالة ضمنية من الله إلى عبادة الصالحين في كل الأزمنة مفادها أن بعض البشر لا يمكن أن يحيى بسلام وسيضل يبحث عن عدو بغض النظر عن حقيقة العداء؛ من أجل حشد الأنصار من الغوغاء لمكافحة ذلك العدو بعد التحشيد والتصعيد عليه وافتراء الأكاذيب، ولهذا فمن يصل به البغي إلى معاداة جبريل عليه السلام، فلا عجب حين يعادي نبي أو صحابي أو عالم أو حتى جماعة من الناس، حيث اجتمعت لديه مجموعة من أقبح الخصال السلبية على رأسها الحسد {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} (54) سورة النساء وثانيتها البغض الممقوت {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} من الآية (118) سورة آل عمران.