دروس تلقّن بشكل مشوق

تتباين آراء الكثيرين حول السينما بين مؤيد ومعارض. فبينما يرى المؤيد أن السينما مجرد وسيلة ترفيه كأي وسيلة أخرى، يراها المعارضون كوسيلة تغريب تتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي. يحتج المؤيدون بأن السينما سيجعلنا نعيش كبقية المجتمعات البشرية لديها وسيلة ترفيه جماعية بريئة تشغل وقت الفراغ، ويرد المعارضون بأن لدينا المنتزهات والحدائق كبديل. يقول أحد مؤيدي السماح بفتح دور السينما بأن صديقه أو جاره الملتزم (ملتحي وثوب قصير) يحضر السينما خارج المملكة بل ولديه مكان مجهز في بيته لمشاهدة أحدث الأفلام الأمريكية. فيرد عليه المعارض للسينما بأن هذا الشخص حالة شاذة والشاذ لا يعتد به ومن ظاهره الالتزام لا يعني إلمامه بالحكم الشرعي والبعد الثقافي. يطول النقاش ويؤذن لصلاة الفجر ولم يقنع أحدهما صاحبه، وتمضي السنون وما يزال الجدل مستمرا ونفس الحجج تطرح ولم يتغير شيء. ولو نظرنا إلى كلا الطرفين لوجدنا بأن كلاهما محق في طرحه، ولكن تبقى نقطة، قد تكون مهمة، تتمثل في إغفال كل طرف لطريقة نظر صاحبه إلى الموضوع. فالسينما عبارة عن وعاء مادي لا يضر ولا ينفع مثل بقية الأوعية في عصرنا الحديث؛ كالثلاجة والسيارة والهاتف الجوال. فعلى سبيل المثال لو أن اثنين اشتركا في منزل وأراد أحدهما أن يقتني ثلاجة يضع فيها خمراً وقال الآخر لا يمكن أن أسمح بهذه الثلاجة إطلاقاً. فبدأ الطرف الأول يتحدث عن مزايا الثلاجة وبدأ الثاني يتحدث عن مساؤها، ونسي أن يوصل للطرف الأول أن المشكلة ليست في ذات الثلاجة ولكن فيما سوف تحتويه لانتهت المشكلة. ونفس الشيء ينطبق على فكرة السينما فليس من المقبول أن يقبل مجتمع ذو ثقافة وحضارة عريقتين بجلب وسيلة يقوم من خلالها منافسه الحضاري بتلقين أفراد مجتمعه، بعد أن جمعهم في مكان واحد وهو السينما، ويلقنهم دروساً مشوقة جداً، على مدار الساعة، تدور حول أن مجتمعه أفضل المجتمعات وأن حضارته أكثر عراقة وفي مناسبات يرسل رسائل مباشرة أو غير مباشرة يعرض بدينهم ويتهمه بالتحريض على العنف والإرهاب. هذه مشكلة وإن كان هناك من قبل على مضض ما يطرح على شاشات القنوات الفضائية فيؤثر في الأفراد فينشأ الواحد منهم ولديه شعور بالدونية، فإن المشاهدة الجماعية ضررها أكبر وتقود إلى قبول كل ما يطرح في تلك الوسيلة وهذا، بحسب علماء النفس، يقود إلى الإعجاب ثم إلى الانصهار وبالتالي الاندثار، وهو اندثار أو اختفاء الثقافة المحلية المستمدة من تعاليم الدين الحنيف. ولمزيد من التوضيح، فمن لديه بركة ماء صافيه فليقم بسكب قليل من الحبر الأسود في هذه البركة ليرى النتيجة بنفسه. ولهذا فالحل سهل جداً ويتمثل في السماح بفتح دور السينما في كل مكان ولكن قبلها يجب إيجاد صناعة سينمائية منضبطة تدار وفق أسس ”شرعية“ قادرة على معالجة ما يدور في المجتمع المحلي وتصحيحه مع الوقت ونشر الوعي وغرس العزة في الأنفس وتعزيز الانتماء الوطني والديني. ولكن يبقى السؤال هل هناك رغبة لدى جميع الأطراف لتحقيق ذلك؟