كتاب الخواء الفكري 

ونحن نعيش عصر ما يسمى بالاتصالات أو التقنية أو عصر المعلومة ومع التقدم التقني الهائل والمتسارع والذي قدم تسهيلات كبيرة للبشرية وساهم في تقارب أفرادها ومجتمعاتها حتى لكأنها تعيش في قرية واحدة، مما ساعد الدعاة والمصلحين على نشر ما لديهم من علم وفكر وفضيلة في كافة أرجاء المعمورة كما ساعدت التقنية على حفظ تلك المواد الخيرة ونقلها إلى الجهة المرادة بكل يسر وسهولة، ومع كل تلك الإيجابيات التي اكتسبتها المجتمعات من التقنية، إلا أن هناك من حاول عسف هذا التقدم ولي عنقه ليستفيد منه في تحقيق مآرب خاصة تخدم أهداف يعلم أصحابها قبل غيرهم أنها فاسدة ولا تخدم دين ولا وطن، وإن حاولوا التخفي خلف قناعيهما. وبعد أن أيقن الإرهابيون بخسارتهم الحرب الميدانية من خلال المواجهة المباشرة مع الحكومات، بدأوا شن حرب ولكن من نوع مختلف حيث تستهدف الفكر وأدواتها لا تتطلب أسلحة تقليدية يصعب اقتنائها، بل وسائل سهلة ومتوفرة ولا يثير التعامل بها أي ريبة أوشبهة يمكن أن تستخدم في مرحلة الصراع الحالية أو ما تسمى مرحلة حرب الأفكار تلك الحرب التي يمكن أن نطلق عليها إعلامية أكثر منها حرب تقليدية.

وفي مرحلة حرب الأفكار، يلاحظ الكاتب أن هناك ضعف في الجوانب الثقافية والمعرفية لدى كثيرٍ من الشباب نتج عنه وصول بعضهم إلى مرحلة أن يوصموا (بخواة الفكر) نتيجة لما تعكسه سلوكياتهم وأخلاقياتهم وحتى أساليب حديثهم التي تبرز السطحية الفكرية لديهم، مما نتج عنه وقوع بعضهم فريسة سهلة لمروجي الفكر الضال بشقيه المتحرر والمتشدد، خاصة الأخير، وهو موضع بحثنا هنا، وتبني بعضهم لتلك الأفكار والترويج لها واكتفاء آخرين بالتعاطف مع ما يتلقون دون إدراك لخبايا تلك البضاعة الدخيلة.

وتزامن تفشي ضعف بعض الشباب الفكري الناتج عن قلة حصيلتهم الشرعية والعامة مع توجه رموز الجماعات المتطرفة إلى الوسائل التقنية الإعلامية المتنوعة وتكثيف عملهم من خلالها محاولة منهم الوصول إلى أكبر قدر من الشباب والعمل على إغوائهم خاصة وأن هذه الفئة ـ الشباب ـ هي الأكثر استخداماً لتلك الوسائل التقنية التي جرى ليُ عنقها لتصبح معول هدم بأيدي المنتمين لذلك الفكر الظلامي التدميري بدلاً من أن تكون أداة بناء وتواصل إيجابي بين أفراد المجتمع من جهة ومع المجتمعات البشرية المختلفة من جهة أخرى.

ومن هنا فقد برزت هذه المشكلة المتمثلة بوجود البيئة المناسبة والأرض الخصبة لقيام الجماعات المتطرفة بغرس بذور فكرهم في تلك العقول المسطحة من خلال التواصل معهم عن طريق الوسيلة التقنية الإعلامية التي لديهم ويمكن لأي أحد حيازتها دون أن يكون محل اعتراض عرفاً أو قانوناً.

ولهذا يهدف هذا الكتاب إلى تسليط الضوء على خطورة الخليط البيئي المؤلف من: (الشباب خاوي الفكر، وأصحاب الفكر الضال الساعين لنشره، بالإضافة إلى وجود وسيلة التقارب والتواصل وتوفرها بأيدي كلا الفئتين الأولى والثانية) وبيان أن ذلك الخليط غالباً ما يترتب عنه نتائج سلبية ما لم يتم الالتفات لتلك المخاطر ومعالجة كل واحدٍ منها على حدة. ويتمحور الكتاب حول نقطتين رئيستين هما الأمن الفكري كمطلب وغاية، والخواء الفكري كمشكلة رئيسية أرى أنها يمكن أن تعد سبباً رئيسياً في تخلف المجتمعات وسبباً رئيسياً في تعرية الافراد وجعلهم عرضة للانسلاخ من أعراف وتقاليد وربما معتقدات المجتمع.

د. فهد بن عبد العزيز الغفيلي