بحث الفراغ الفكري ودوره في التأثير السلبي لوسائل التقنية والاتصال على أمن المجتمع الفكري د. فهد الغفيلي

فهد عبدالعزيز الغفيلي
فهد عبدالعزيز الغفيلي
بحث الفراغ الفكري ودوره في التأثير السلبي لوسائل التقنية والاتصال على أمن المجتمع الفكري د. فهد الغفيلي

للحصول على نسخة من البحث بصيغة PDF يرجى الضغط هنا

مقدمة:

ونحن نعيش عصر ما يسمى بالاتصالات أو التقنية أو عصر المعلومة ومع التقدم التقني الهائل والمتسارع والذي قدم تسهيلات كبيرة للبشرية وساهم في تقارب أفرادها ومجتمعاتها حتى لكأنها تعيش في قرية واحدة، مما ساعد الدعاة والمصلحين على نشر ما لديهم من علم وفكر وفضيلة في كافة أرجاء المعمورة كما ساعدت التقنية على حفظ تلك المواد الخيرة ونقلها إلى الجهة المرادة بكل يسر وسهولة، ومع كل تلك الإيجابيات التي اكتسبتها المجتمعات من التقنية، إلا أن هناك من حاول عسف هذا التقدم ولي عنقه ليستفيد منه في تحقيق مآرب خاصة تخدم أهداف يعلم أصحابها قبل غيرهم أنها فاسدة ولا تخدم دين ولا وطن، وإن حاولوا التخفي خلف قناعيهما. وبعد أن أيقن الإرهابيون بخسارتهم الحرب الميدانية من خلال المواجهة المباشرة مع الحكومات، بدأوا شن حرب ولكن من نوع مختلف حيث تستهدف الفكر وأدواتها لا تتطلب أسلحة تقليدية يصعب اقتنائها، بل وسائل سهلة ومتوفرة ولا يثير التعامل بها أي ريبة أوشبهة يمكن أن تستخدم في مرحلة الصراع الحالية أو ما تسمى مرحلة حرب الأفكار تلك الحرب التي يمكن أن نطلق عليها إعلامية أكثر منها حرب تقليدية. ومن هذا المنطلق فقد وضعوا السلاح التقليدي جانباً وبدأوا باستخدام وسائل رأوها أكثر نفعاً وجدوى وبالطبع لم يترددوا لحظة في تحديد وسائلهم مركزين على الجوانب التقنية التي ستخدمهم في نشر فكرهم وتجنيد ما أمكن من المتلقين أو على الأقل كسب تعاطفهم، فبدأوا بالتركيز على ثلاث وسائل تقنية هي (الهواتف الجوالة، ووسائل التخزين السمعية والمرئية، والإنترنت) بالإضافة إلى الألعاب الإلكترونية ومنها على سبيل المثال (البلاي ستيشن، والإكس بُكس) التي أفادتهم بشكلٍ كبير في تهيئة الأجواء الملائمة لتقبل أولئك المتلقين لثقافة العنف والتعود عليها وإن لم يكن لهم دور في صناعة محتوى تلك الوسيلة أو نشره.

مشكلة البحث:

تتمحور مشكلة البحث حول أمرين:

أولاً: أن هناك ضعف في الجوانب الثقافية والمعرفية لدى كثيرٍ من الشباب العربي خاصة، والمسلم بشكلٍ عام نتج عنه وصول بعضهم إلى مرحلة أن يوصموا (بخواة الفكر) نتيجة لما تعكسه سلوكياتهم وأخلاقياتهم وحتى أساليب حديثهم التي تبرز السطحية الفكرية لديهم، مما نتج عنه وقوع بعضهم فريسة سهلة لمروجي الفكر الضال بشقيه المتحرر والمتشدد، خاصة الأخير، وهو موضع بحثنا هنا، وتبني بعضهم لتلك الأفكار والترويج لها واكتفاء آخرين بالتعاطف مع ما يتلقون دون إدراك لخبايا تلك البضاعة الدخيلة.

ثانياً: تزامن تفشي ضعف بعض شباب الأمة الفكري الناتج عن قلة حصيلتهم الشرعية والعامة مع توجه رموز الفئات الضالة إلى الوسائل التقنية الإعلامية المتنوعة وتكثيف عملهم من خلالها محاولة منهم الوصول إلى أكبر قدر من الشباب والعمل على إغوائهم خاصة وأن هذه الفئة ـ الشباب ـ هي الأكثر استخداماً لتلك الوسائل التقنية التي جرى ليُ عنقها لتصبح معول هدم بأيدي المنتمين لذلك الفكر الظلامي التدميري بدلاً من أن تكون أداة بناء وتواصل إيجابي بين أفراد المجتمع من جهة ومع المجتمعات البشرية المختلفة من جهة أخرى.

ومن هنا فقد برزت هذه المشكلة المتمثلة بوجود البيئة المناسبة والأرض الخصبة لقيام المنتمين للفئات الضالة بغرس بذور فكرهم في تلك العقول المسطحة من خلال التواصل معهم عن طريق الوسيلة التقنية الإعلامية التي لديهم ويمكن لأي أحد حيازتها دون أن يكون محل اعتراض عرفاً أو قانوناً.

هدف البحث:

يهدف البحث إلى تسليط الضوء على خطورة الخليط البيئي المؤلف من: (الشباب خاوي الفكر، وأصحاب الفكر الضال الساعين لنشره، بالإضافة إلى وجود وسيلة التقارب والتواصل وتوفرها بأيدي كلا الفئتين الأولى والثانية) وبيان أن ذلك الخليط غالباً ما يترتب عنه نتائج سلبية ما لم يتم الالتفات لتلك المخاطر ومعالجة كل واحدٍ منها على حدة.

محاور البحث الرئيسية:

يتمحور البحث حول أربع نقاط رئيسية خصصت لبعضها مساحات في هذا البحث وفصلت فيها مقارنة بأخرى لم يكن عنوان البحث يسمح بالإغراق في تفاصيلها بل اكتفيت بإعطاء لمحة موجزة عنها، ويمكن أن أوجز نقاط البحث من خلال الأسطر التالية:

  • الأمن الفكري كمطلب وغاية يرى الباحث أنه الأهم وحوله تدور بقية المحاور، والتفصيل فيه يحتاج لبحوث؛ ولهذا فقد اكتفيت بنزرٍ يسيرٍ متعلقٍ بمفهومه.
  • الإعلام كأداة إنسانية قديمة متعددة الوسائل والأساليب يمكن من خلالها الوصول إلى شرائح مختلفة والتأثير عليها.
  • الخواء الفكري كمشكلة رئيسية يرى الباحث أنها سبباً رئيسياً في تخلف المجتمعات وسبباً رئيسياً في تعرية الافراد وجعلهم عرضة للانسلاخ من أعراف وتقاليد وربما معتقدات المجتمع.
  • وسائل التقنية والاتصال المختلفة كأدوات إعلامية يمكن استخدامهن لإيصال رسائل إيجابية أو سلبية قد تحدث تغييراً في المتلقي.

المبحث الأول الأمن الفكري:

تحديد مفهوم الأمن الفكري:

هناك العديد من التعريفات للأمن الفكري وإن كان هذا البحث لا يسعى إلى الخوض في التعريفات إلا أن هذا لا يمنع من ذكر ولو نبذه مختصرة عن المقصود بهذه العبارة ومن هذا المنطلق يمكننا القول “إن الأمن الفكري هو ضمان سلامة فكر الإنسان من الانحراف والخروج عن الوسطية والاعتدال[1] في فهمه للأمور الدينية والسياسية وتصوره للكون مما يؤدي إلى حفظ النظام والاستقرار”.

 

وهذا يعني أن نسعى إلى إبقاء كل فردٍ في هذا المجتمع في دائرة الوسط فلا يتشدد ويتنطع في آراءه وينجرف حتى يصل إلى مرحلة التكفير التي تقود إلى استخدام العنف وقتل الأبرياء دون وجه حق. وبالمقابل لا يترك له الحبل على الغارب فيشطح جهة اليسار والتحرر بلا حسيب ولا رقيب حتى يصل إلى احتقار مبادئ المجتمع ومعتقداته وتسفيه المتمسكين بها. وبين هذين النقيضين تبرز أهمية الأمن الفكري وضرورة ضبط جميع أفراد المجتمع وضمان عدم خروجهم عن مواقع الوسط. والإشكال هنا يتأتى من أن كل فريق يؤجج الأخر حتى يصل المنتمون لكل طرف إلى مرحلة لا يمكنهم معها التعايش بسلام، مما ينعكس أثره على المجتمع بأسره، وما لم تبادر الجهات المعنية بوضع الحلول والخطط الكفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها ورجوع المتطرفين في كلا الجانبين إلى دائرة الوسطية، فإن ذلك غالباً ما يقود إلى اتساع مساحة الأطراف وتلاشي منطقة الوسط شيئاً فشيء حتى تختفي تماماً وهذا يقود إلى صراعات لا تنتهي ومعها لا يمكن لمجتمعٍ أن ينعم بأمن ولا رقي ولا تقدم إن كان في حال انعدام استقرار وطمئنينة ومن هنا تبرز أهمية الأمن الفكري مرة أخرى ويتضح دوره في حماية المجتمع من تلك الصراعات الفكرية التي تبدأ بالورقة والقلم وإتلاف الأعصاب، وربما تطورت لتصل إلى استخدام البندقية وإسالة الدماء وإزهاق الأرواح.

المبحث الثاني الخواء الفكري:

تعريفه:

افتقار الفرد إلى المعرفة الكافية التي تمكنه من التمييز بين الحق والباطل، وتحصّـنه من الوقوع في الأفخاخ التي ينصبها ذوو المقاصد والغايات الخاصة.

وهذا لا يعني بالضرورة أن كل شخصٍ ليس لديه المعرفة الكافية حتماً سيقع في براثن تلك الفئات الضالة، أو غيرها. كما أنه لا يلزم مع قدرته على التمييز بين الحق والباطل عدم وقوعه في تلك الأفخاخ حيث أن هناك عدداً ليس قليل ممن يظنون أنفسهم من طلبة العلم الشرعي وقعوا في هذا المنزلق وسلكوا درب أسلافهم من الخوارج على الرغم من أنه لا يمكن أن يقال بأن لديهم خواء فكري.

ومن هنا أشدد على أهمية عدم جعل الخواء الفكري شماعة نعلق عليها السبب في اعتناق بعض الأشخاص أفكار تلك الجماعات الضالة وأنه لو تم تحصينهم فكرياً لما سقطوا في ذلك المنزلق، والحقيقة أن هؤلاء يمكن دراسة أوضاعهم وأسباب تبنيهم لهذا الفكر، وإن كنت أظن بأن التزمت والغلو في الدين المستمدان من غير المصادر الشرعية المعتبرة أو بسبب الفهم القاصر والتأويل الخاطيء لتلك النصوص الشرعية ربما يكون عاملاً رئيسياً وأرضية جيدة يمكن الإنطلاق منها لدراسة حال من لديه علم ولكنه أساء استخدامه وأسهم في تضليل غيره.

وقبل أن أذهب في حديثي إلى صفات تلك الفئة التي هي محور حديثي، لعلي أسوق على عجل تنديداً بإغفال الجانب المعرفي وأنه سبباً للتخلف والجهل والعنف والتشدد، حيث يذكر الدكتور. أحمد زويل: بأن وجود قاعدة علمية قوية ونظام تعليم متطوروبحوث متقدمة، يمكن لكل ذلك بأن يرتقي بالثقافة العلمية ويشجع التفكير العقلاني وتعليم العامة وتثقيفهم، ولكن حين يغيب ذلك ستظهر لنا فجوة كبيرة في التفكير التحليلي مملؤة بالجهل والتشدد والعنف[2]. وليس بعيداً عن ذلك ما نصت عليه إحدى توصيات المؤتمرات العربية المتعلقة بمكافحة الإرهاب التي شددت على الاهتمام بجيل الشباب وتوفير فرص العمل والرعاية اللازمة له، بما يكفل ابتعاده عن التضليل الفكري وتأثيرات الظاهرة الإرهابية وأخطارها[3]. ولا أظن بأن هناك تفسيراً للرعاية اللازمة التي تكفل الابتعاد عن الفكر الضال، أنسب من الاهتمام والعناية بعملية تثقيف الشباب وتوعيتهم بالمخاطر المحدقة بهم بشتى أشكالها وحينها ستكون مسألة التمنع ضد الفكر الضال مجرد تحصيل حاصل.

أما بالنسبة للفئة التي هي محور حديثنا هنا فهي تتصف بثلاث صفات:

  • أولاها: أنه ليس لديها العلم الشرعي الكافي الذي يكفل لها التمييز بين الخير والشر أو الحق والباطل؛ ولذلك فإنه من السهولة بمكان التغرير بها وخداعها.
  • ثانيتها: أن هذه الفئة من الناس لديها القابلية للمشاركة والتفاعل مع الآخرين وهؤلاء يمكن في حال استثارتهم وتأليبهم على جهة ما أن يأخذوا هذا الأمر على محمل الجد وبشكل متسرع ومتهور ودون إمضاء أي وقت للتفكير أو بذل أي جهاد للبحث والسبب في ذلك ربما يعود إلى عدم إدراك هؤلاء الأشخاص للقيمة الحقيقية لأفئدتهم وعقولهم فيعمدون إلى تأجيرها إلى آخرين يحشونها بما يريدون دون إبداء أي اعتراض. كما أنهم على استعداد لبذل كل ما يملكون من غالي ونفيس ولا يوفرون حتى الأنفس طاعة وامتثالاً لأوامر قاداتهم الذي ملكوهم الأدمغة فحشوا فيها ما أرادوا.
  • ثالثتها: وجود الوسيلة التي تخلق البيئة الخصبة التي تجعل الفرد جاهز للمشاركة وتلك الوسائل بالطبع متنوعة وكل واحدةٍ منها لها فعلها وتأثيرها الخاص.

ولكني أوجز تلك الصفات فأقول بأنها (عدم وجود العلم الكافي، القابلية للتفاعل، خلق بيئة نفسية داخلية تتقبل الانصياع للتأثيرات).

 

 

أسباب الخواء الفكري:

الإهمال الأسري وسوء التربية:

تعد الأسرة صمام الأمان بالنسبة لأفرادها خاصة صغار السن وحديثي التجربة منهم، وما لم تقم الأسرة بدورها في تحصين الأبناء والبنات وتنبيههم إلى المخاطر والمنزلقات المحيطة بهم من خلال توعيتهم وتعويدهم على القراءة والبحث والاستنباط منذ الصغار؛ لعل في ذلك عون على معرفة كثير من الحقائق والتمييز بين الغث والسمين. ومهما بذلت الأسر وانفقت من مال للخروج بأبناء محبين للقراءة والإطلاع فلن تنجح كثيراً في ذلك ما لم تكن تلك العادة والثقافة متفشية في الأسرة نفسها فيتشربها الطفل ويشب ثم يشيب عليها وهذا ما يقوله بورديو: “إن الاعتياد يقوم بإعادة إنتاج مكتسبات السابقين إلى الآخِرين”. ويعلق على ذلك الكاتب الفرنسي دوني كوش بقوله: “إن الاعتياد هو ما يسمح للأفراد بالتوجه في الفضاء الاجتماعي الذي هو فضائهم واعتماد ممارسات تتطابق وانتمائهم الاجتماعي”.[4] ومن هذا المنطلق يجدر بنا أن نسأل أنفسنا قبلاً: هل عودنا أبنائنا على حب القراءة، وهل زرعنا بدواخلهم الرغبة في الاستكشاف والاستنباط وتقييم الأمور والخروج بقرارات موقفية أو لنقل نتائج لحظية تكفل حمايتهم من أي تأثيرات خارجية قد تتسبب في انحرافهم عن المسار الذي نرغب أن يدوموا عليه.

ولكن الإشكال أن الأسر كثيراً ما تتقاعس عن القيام بدورها في صقل أبنائها وتزويدهم بالمعارف وتعليمهم السلوكيات الضرورية مما ينتج عنه ارتكاب بعضهم خاصة الأحداث منهم لأفعال غير مقبولة قد يصل بعضها إلى حد أن يصنف على أنه جريمة يستحق فاعلها العقوبة ويذكر الدكتور إحسان الحسن: “أن عامل التنشئة الاجتماعية الخاطئة التي يتلقاها الأحداث من عوائلهم ومجتمعهم المحلي يأتي في المرتبة الثانية بعد العامل الاقتصادي في دفعهم إلى ارتكاب المخالفات والجرائم[5]“.

كما تشير كثير من البحوث إن سؤ معاملة الوالدين للأبناء تحدث شروخاً وشقوقاً وضعفاً في جوانب شخصية الأبناء يظهر انعكاسها في الفكر والسلوك، وقد يؤدي بالابن إلى الخوف أو الانتحار أو مقاتلة الوالدين أو إلى ترك البيت مما يعانيه من القسوة والمعاملة الأليمة. وقد وجد أن معظم المشاركين في أحداث التفجيرات التي حدثت في المملكة العربية السعودية والكويت هم ممن انفصلوا عن أهليهم وتمردوا عليهم وخرجوا من بيوتهم منذ فترة طويلة[6].

ومن هنا فإني أشدد على أهمية أن تقوم الأسرة بدورها التربوي والتوعوي وعدم الاكتفاء بالتسمين فقط حتى لا تكون المخرجات المستقبلية أجيالاً لها أجسام “الجمال” وأحلام العصافير، بل نريد شباباً لديه القدرة على التمييز بين ما هو نافع وما هو ضار، يعرف الأخطار التي تحدق به وبأمته فيحذر ويحذر غيره منها، وهذا لعمري لن يُتحصل إلا حين تستشعر الأسرة دورها وتقوم به على الوجه المطلوب.

ثم إن غرس تلك السلوكيات الحميدة لا يتأتى بالحث والتشجيع فقط بل بالقدوة وما لم يكن رب الأسرة أنموذج يحتذى بفعله فلن تكن مخرجاته مختلفة عنه إلا ما ندر، أما أن يُطلب من الأبناء أمر بينما يفعل أمرٌ أخر فلعمري إن هذا بالضبط ما ذهب إليه الشاعر في قوله:

يا أيهـــــا الرجــــل المعلــــم غيره … هلا لنفســـــك كان ذا التعليـــم

تصف الدواء لذي السقــــام وذي الضـــنى … كيما يصـــح به وأنت سقيــــم[7]

عدم قيام المدرسة بواجبها في زرع حب الإطلاع والمعرفة:

قبل أن أخوض في دور المدرسة وأهميته في تحصين الطلاب من خلال تشجيعهم على القراءة والإطلاع والبحث والاستنتاج وغيرها من الوسائل المعينة على تقوية الجانب المعرفي، بودي أولاً أن أذكر أن محمد صلى الله عليه وسلم كان المدرسة الأولى في زمانه وما يزال؛ فهو المعلم والمربي وصحابته ومن تبعهم كانوا تلاميذ في تلك المدرسة التي قامت على سواعد الشباب فهذا علي وذاك أسامة وابن عمر وابن عباس وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين، ممن كانت أعمارهم لا تتجاوز طلبة مدارسنا المتوسطة والثانوية ولكن محمداً عليه السلام نظر إليهم لا على أنهم طلبة أو أعضاء هامشيين وصب جل تركيزه على كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وسلمان وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. ولكنه عليه السلام كان يتعامل معهم على أنهم هم من سيتولى زمام الأمور في المستقبل القريب ومن هنا فقد كان يعاملهم معاملة الرجال ويشيد بهم ويدعو لهم ويكلفهم بمهام جسام.

ولعلي أوجز تلك الطريقة التي نظر بها محمد عليه السلام إلى الشباب بالنقاط التالية:

  • كان عليه السلام يرى أنهم من سيتولى زمام الأمور في المستقبل القريب.
  • وكان يتعامل معهم بطريقة لا تختلف عن طريقته في التعامل مع بقية أصحابه.
  • كان يكلفهم بمهام جسيمة.
  • وفوق كل ذلك كان يوجههم ويصحح أخطائهم مباشرة، ويدعو لهم ويشيد بهم ويثني على ما يقومون به.

وسؤالي هل القائمين على مدارسنا في الوقت الراهن يظنون في الطلبة ويتعاملون معهم كما كان يفعل محمدٌ عليه السلام، والإجابة المتفائلة ستكون بأن قلة يسيرة من القائمين على المدارس ربما كان لديهم شيئاً من تلك النظرة المحمدية العبقرية، وهذا قد يعني أن كثيراً من المعلمين ليس لديهم نفس النظرة المستقبلية الثاقبة التي لدى بعض أقرانهم ـ وهم قلة كما أسلفت ـ مما يترتب عليه نشوء اللامبالاة لدى المعلم وعدم اهتمامه بإيصال الرسالة الحقيقية للطالب والاكتفاء بشرح الدرس ومن ثم الخروج من الفصل دون أن يكتسب الطالب تلك الجوانب الإيجابية التي كانت ستعينه على استشعار أهمية المادة التي يتعلمها فتتحول العملية التعليمة برمتها من عملية تثقيفية وتوعوية إلى مهمة تختزل بدروس وواجبات يتحايل الطلاب على المعلم من أجل اختصارها في ورقات قد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة في بعض المواد. ويكون الطالب بهذا الإجراء قد خسر علماً كان من المفترض أن يكتسبه، ووقتاً كان يمكن أن يمضيه في القراءة والإطلاع وربما يحببه في إمضاء المزيد من الوقت في البحث والاستنتاج. وحول ذلك يقول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: إن هناك من يرى أن المعلم يفرض عل الناس أفكاره باسم معرفة قام بجمعها دون أن يكون لمستمعيه حق الاعتراض، ومعرفة لا يوجه إليها النقد باستمرار لتتجاوز نفسها أو لتتأكد بواسطة هذا النقد لهي معرفة لا قيمة لها[8]. وهنا تأتي أهمية منح الطالب كامل الفرصة للنقاش ومحاورة المعلم لا جعله مجرد وعاء يستقبل ما يأتيه دون أن يكون له حق تمحيص تلك المعلومة ولا يتأتى هذا الحق إلا من خلال تشجيعه على الإطلاع والبحث والتقصي بنفسه.

ولعلي هنا أعلنها صراحة أن المدرسة تتحمل شطراً كبيراً من مسئولية عزوف الشباب عن القراءة وانشغالهم لحد الإغراق بأمور غير ذات أهمية كان يمكن للمدرسة أن تخلق نوعاً من التوازن بين هذا وذاك لو عمد القائمون على التربية والتعليم باستخدام بعض الأساليب المحببة والجاذبة من جهة والإلزامية من جهة أخرى لأصبح حال شبابنا اليوم أفضل بكثير مما هو عليه واقعهم الحالي ولربما ما كنا لنقرأ عن إحصائيات تتحدث حول أن القراءة في العالم العربي شبه معدومة كما يشير إلى ذلك مركز الشرق العربي للدراسات الاستراتيجية والحضارية الذي يذكر: بأن الانسان العربي يقرأ 6 دقائق سنوياً، وأن كل 300 ألف عربي يقرأون كتابا واحداً في السنة، كما أن ميزانيات العالم العربي تنفق ما نسبته 5% على التعليم ومحو الامية وبناء المدارس والجامعات، مما نتج عنه ارتفاع نسبة الامية في العالم العربي لتصل إلى 45% وتصل في مناطق أخرى إلى 65% .

ولعل كل ذلك يمكن فهمه حين نعرج على رأي أحد المختصين في هذا المجال حيث يذكر د. ساجد العبدلي، مؤلف كتاب القراءة الذكية: بأن السبب في عزوف صغار السن عن القراءة يعود إلى المناهج التعليمية التي لا تحض على القراءة بل تركز على المادة العلمية فقط، مضيفا أن أساليب تنمية مهارة القراءة في جميع المراحل لا تتغير حتى المرحلة الثانوية وتدعو إلى الملل وعزوف الطفل عن القراءة.[9]

قرناء السوء:

كان يمكن أن أكتفي بالأقران هنا ودورهم في تجذر الخواء الفكري لدى من يصحبهم، ولكني وصفتهم بالسوء مع العلم أنه ليس بالضرورة أن تكون صفة الانصراف عن القراءة حكراً على قرناء السوء فقط ولكن ما أقصده هنا أن هذا الصنف من القرناء لا يكتفي بصرف المرء عن ما ينفعه بل ويزيده بتزيين الباطل بغض النظر عن ماهية ضلاله سواء متحرراً أو منغلقاً.

والملاحظ أن الأصدقاء والزملاء في وقتنا الراهن تربطهم هموم مشتركة كثيرة وهذا ما ينمي لدى الإنسان حب النهل من ذلك والتزود والتعرف والإحاطة بأسرار وخلفيات ذلك الهم المشترك، ولكن ما ألاحظه أن نزراً يسيراً جداً من شبابنا يجمعهم هَمُ التباري في الإطلاع والتزود بالجديد من ما تصدره دور النشر، ويعلم الله أن الجهات المعنية لو تعلمت العزف على هذا الوتر المتعلق بالترغيب الجماعي للأصدقاء والأقران وبث روح التنافس في المجالات الثقافية والمعرفية بينهم كما تفعل وسائل الإعلام في مجالات التنافس الرياضي وتأجيجها الشباب وتحريضهم على المشاركة والتفاعل وحضور المباريات الرياضية، خاصة وأن الأمر هنا لا يتعلق بالوسيلة الإعلامية أو بدار النشر ولكنه أبعد من ذلك حيث تتركز الجهود هنا على شحن الأنفس وجعل مسألة القراءة والإطلاع هما شخصياً يجول بخاطر المرء ويخالج مشاعره لدرجة يصل معها إلى تفضيل الحديث حول هذا الموضوع مع أقرانه والزهد بما سواه وهنا يكون العمل الحق في تجذير حب المعرفة في النفوس ولو حصل هذا لخرجنا بجيل مطَّلِع ولتغيرت كثيرٌ من الإحصائيات الحالية المتعلقة بنسب القراء والإصدار والترجمة وغيرها في عالمنا العربي.

وفي هذا المقام هناك أمرٌ يجدر بي أن لا اغفله يتعلق بإغفال بعض الجماعات الإسلامية ـ وهي تدخل في نطاق الرفقاء ولكنها رفقة خير ـ حيث تغفل مسألة القراءة والإطلاع على المستجدات بل وتحصر نفسها وأتباعها في كتاب أو اثنين لا يجدر بالعضو في تلك الجماعة أن يتجاوزهما إلى غيرهما وفي ذلك يقول الشيخ الدكتور. يوسف القرضاوي: إن مما يؤخذ على تلك الجماعة (يقصد جماعة الدعوة والتبليغ) أنها أغفلت مسألة الفكر، فهي لا ترد على ملوثي فكر الأمة وغزاة العقول، بل إنها ربما تعادي من يهتم بهذه الجوانب الحيوية؛ والسبب في لا مبالاتهم في هذا الجانب، ويمكن أن نقول بأنه نتيجة له أيضاً، أن أصحاب تلك الجماعة لا يقرأون إلا كتاباً واحداً فقط ـ كما يقول الشيخ القرضاوي ـ وهو كتاب رياض الصالحين، وقد يضاف إليه كتاب حياة الصحابة.[10]

ويخشى على تلك الجماعة التي أهملت مسألة تثقيف أصحابها بقضايا الواقع المعاصر من أن تخترق من قبل بعض أصحاب الفكر الضال، مع أن هناك بعض المؤشرات على حدوث ذلك ومنه ما نشرته جريدة الغارديان البريطانية من أن آلاف الشباب المسلم يحضرون دروساً شرق لندن كل اسبوع تنظم من قبل جماعة الدعوة والتبليغ، حيث يتم استغلال تلك الدروس من قبل بعض المتشددين لتجنيد عناصر جديدة[11]. وبهذا الخصوص، فقد نشرت صحيفة نيويوك تايمز الأمريكية بتاريخ 28/4/2005م تقريرا كتبه الصحفي جريك سميث حول جماعة الدعوة والتبليغ ذكر من خلاله: أنه وبحسب مسئولي مكافحة إرهاب أوربيين فإن حالات إرهاب كثيرة قد خرجت من تحت عباءة الجماعة التي تشكل أرضا خصبة للإرهاب، ويستشهد التقرير بعدة أسماء لمشتبهين بقضايا إرهابية كانوا في فترة من الفترات من أعضاء الجماعة وهم: زكريا الموسوي الموقوف في أمريكا على خلفية أحداث سبتمبر وهرفي لواسو وهو شاب مسلم فرنسي الجنسية قتل في القصف الأمريكي لتورا بورا وجميل بغال الفرنسي من أصل جزائري، والذي كان منتميا لجماعة الدعوة والتبليغ منذ عقد مضى والذي اعترف بانتمائه للقاعدة. ويعلق على ذلك الكاتب ياسر سعد في مجلة العصر بقوله: “من المعروف والمسلم به لدى المسلمين وغير المسلمين العاديين والمطلعين والمختصين بأن جماعة الدعوة والتبليغ بعيدة تماما عن الشؤون السياسية أو ما يسمى بالإسلام السياسي ومن باب أولى الفكر والخط الجهادي. فالجهاد والآيات والأحاديث الداعية إليه والدالة عليه تفسر وتؤول دائما عند التبليغيين على الهمة للخروج والدعوة للإسلام وأخلاقياته بأسلوب هادئ وسلمي للغاية. بل إن كثيرا من الناشطين المسلمين يأخذون على جماعة الدعوة والتبليغ سلبيتها وانعزالها في الشأن العام والمضمار السياسي”. وهذا ما يتوافق مع ما ذهب إليه الشيخ القرضاوي وهو نفسه ما يعزز الشكوك حول وجود اختراق للجماعة من قبل بعض المنتمين للفكر الضال؛ بسبب ضحالة فكر كثيرٍ من المنتمين لجماعة الدعوة والتبليغ، ومعه يسهل تجنيد بعضهم.[12]

طبيعة العمل:

بدائة يجدر بي أن أقول بأنه ليس بالضرورة أن تكون طبيعة العمل سبباً في العزوف عن الإطلاع المسبب الرئيسي للخواء الفكري، خاصة وأننا نلتقي بأشخاص ممن يعملون في أماكن قد تصنف على أنها تشغل صاحبها لدرجة لا تسمح له بالإطلاع على كثيرٍ مما يدور حوله، ولكننا نلاحظ نوعية ممن يعملون في ذاك الصنف من العمل ولديهم ثقافة واسعة وإحاطة شاملة بما يجري ويدور في الساحة الثقافية وتلمس من آرائهم وحتى تعبيراتهم وأساليب طرحهم أنهم لم يقعوا في نفس الشراك الذي وقع به كثيرون من أقرانهم ممن يعملون في نفس المجال. بل إني لأظن بأن حالات شاذة جداً وصلت لمرحلة توصف بأن لديها خواء فكرياً دفعها لتبني فكر الفئات الضالة والإنغماس معهم في أعمالهم، وذلك عائد إلى عوامل أخرى متعلقة بدرجة النضج التي وصلوا إليها بحكم خبراتهم العملية وتقدمهم في السن والمسئوليات العائلية التي تقع على كواهلهم كل ذلك يكبل الأغلبيات الساحقة ويمنعها من المشاركة الفعلية باستثناء الحالات الشاذة، وهذا لا يعيقني من القول بأن من تلك الفئة من كان يتعاطف مع الفئات الضالة في بداية الأمر بسبب جهله بحقيق ما يدور ولكن مع توالي الأحداث واطلاعه على كثيرٍ من النتائج المترتبة على تلك الأعمال العنيفة والأهم من ذلك كله الحملات الوطنية التوعوية المكثفة على كافة الأصعدة جعلت حتى المتعاطفين منهم يوقف فيض مشاعره ودعواته لتلك الفئات الضالة ويستبدل الشجب والاستنكار بها.

المستجدات التقنية والفضائية الحديثة:

اعتقد أن هذا العامل من أهم العوامل فهو يجمع بين العوامل المسببة للخواء الفكري جميعاً من جهة، ثم إن الوسيلة التقنية صارت متوفرة في كل مكان وليس من السهولة السيطرة على الجانب السلبي منها، حتى وإن تأتى ذلك لبعض الأسر من خلال المنع إلا ان الخطورة من إساءة استغلالها تبقى على درجة عالية جداً ويمكن أن تؤثر نفس العوامل محل البحث في كيفية استخدام هذه الوسائل من حيث الإيجاب والسلب ولعلي أتحدث عن أهم الوسائل المؤثرة أو لنقل المسببة للخواء الفكري لدى المجتمعات بشكل عام والمجتمعات العربية بشكلٍ خاص والتي تتمثل بالقنوات الفضائية بالإضافة إلى الوسائل التقنية الإعلامية الأخرى (الهاتف الجوال، الإنترنت، وسائل التخزين الصوتية والمرئية المختلفة، الألعاب الإلكترونية) والتي سأتحدث عن كل واحدٍ منها بشكل مفصل خاصة فيما يتعلق بدورها في الإخلال بالأمن الفكري وتبني سياسة العنف، أما هنا فسأركز على الدور الذي تلعبه الفضائيات في تسطيح عقول الشباب وغرس البذرة الأولى للخواء الفكري في ذواتهم.

ولعلي أقول من باب العلم بالشيء أن الأطباق الفضائية المثبتة على أسطح المنازل يمكن أن تستقبل آلاف المحطات الفضائية من جميع أقطار الدنيا حيث تشير الدراسات إلى أن عددها سيبلغ ستين ألف قناة سنة 2010م[13] ومن باب الإستئناس ليس إلا فقد أشارت بعض الدراسات إلى أن سبعة آلاف منها سيكون عربياً بحلول عام 2012م وإن كان هذا الرقم غير مقبول منطقياً إذا ما قارناه بعدد القنوات العربية التي تبث والتي تزيد عن أربعمائة قناة عربية كان ولادة مئة وثلاث قنوات فضائية منها في عام 2008م[14] وعلى الرغم من أن هذا الرقم يعد ضخماً بلغة المنطق لدرجة يعجز معها المشاهد عن متابعة جميع القنوات لمدة تزيد عن ثلاث دقائق ونصف تقريباً (3.6) لو افترضنا بأنه ضل يقلب تلك القنوات الواحدة بعد الأخرى لمدة أربع وعشرين ساعة متواصلة دون انقطاع. إلا أن المشاهد العربي والسعودي تحديد غالباً لا يلتفت لمعظم تلك القنوات، حيث يتابع 26% من الشباب القنوات الرياضية، مقابل 25% يتابعون قنوات الأفلام، و17% للقنوات الغنائية استناداً لما أظهرته دراسة مسحية دعمتها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية[15] شملت 1235 شاباً تتراوح أعمارهم بين 15 و25 سنة والتي كانت تهدف إلى قياس التصورات الذاتية لتأثير البث الفضائي على منظومة القيم الدينية والاجتماعية والانتماء الوطني، كما هدفت إلى قياس التصورات الذاتية لتأثير البث الفضائي على انحراف الأحداث، وقياس تصورات النشء لدور المؤسسات التعليمية والدينية والاجتماعية، وإثبات دور الأسرة في دعم إيجابيات البث الفضائي وتحييد سلبياته.

ولو أمعنا النظر في تلك الدراسة لوجدنا أن مجموع الشباب ممن يتابعون القنوات التي لا تقدم ما يحتاجه الشباب لإشباع الجانب المعرفي لديهم يتجاوز 68% وهذا مؤشر خطير يدل على أن هذه النسبة من الشباب وإن نأوا بأنفسهم عن ما يقدم من مواد هابطة في قنوات الأفلام والقنوات الغنائية الهابطة، إلا أن ثقافة من يتابع القنوات الرياضية وهم 26% ستبقى ضحلة جداً وذلك عائدٌ إلى أن تلك القنوات لا تقدم المعلومة الإثرائية التي يحتاجها الشاب في هذا العمر[16]، خاصة وأن بعض من شملتهم الدراسة كانوا يفضلون مشاهدة مباريات قديمة سبق أن شاهدوهن على مشاهدة برامج أخرى.

ويجدر بنا أن لا ننسى بأن تلك القنوات قد صرفت الشاب العربي عن القراءة والإطلاع من خلال ما تقدمه من برامج مسلية وجذابة ومتنوعة في معظمهما وبالطبع فهي تهدف إلى التسلية والترويح واللهو بغرض استقطاب أكبر شريحة ممكنة من الجماهير، بل إن إحدى الدراسات تشير إلى أن نسبة البرامج الترفيهة المستوردة في معظم القنوات العربية تصل إلى 88% بينما لا تستورد تلك القنوات سوى 12% من البرامج الثقافية[17]. وهنا يتضح الدور المشترك الذي جذّر ثقافة التسلية والسطحية لدى معظم المتلقين العرب، وتسبب في ضحالة الفكر لدى كثيرٍ منهم ولعلي أوجز ما أقول في نقطتين بغرض جعل الفكرة أكثر وضوحاً:-

  • أن القائمين على الفضائيات والقنوات التلفزيونية العربية قد استمرأوا سياسة بث المادة الهشة بقصد استقطاب المشاهدين دون النظر أو الالتفات إلى المصلحة العامة، مع أنه يفترض أنهم على درجة من الوعي والإدراك بأن تلك المواد سوف تخرج أجيالاً ذوي ثقافة سطحية جداً وليس لديهم من مقومات النهوض بمستقبل الأمة ولا النزر اليسير، ولا أدل على ذلك من طبيعة المواد التي يتم بثها خاصة أوقات الذروة حيث نلاحظ أنه كلما زادت أهمية ساعة البث بسبب زيادة أعداد المشاهدين وهي في الدول العربية الفترة المسائية كما تشير إلى ذلك الدراسات ومنها الدراسة الدكتور الثمالي، كلما كانت المادة هشة وضعيفة المحتوى ولعلنا نتذكر جميعاً أن ساعة الذروة في التلفزيون السعودي والتي عادة ما تكون بعد نشرة أخبار المساء الرئيسية كانت تخصص لتقديم المسلسلات التي أرى من وجهة نظري أنها هابطة ولا تعالج هموم ومشاكل المجتمع بل رسخت ثقافات دخيلة ما كانت مجتمعاتنا تعاني منها وعلى رأسها حساسيات النساء المبالغ بها تجاه تعدد الزوجات، وقصص الحب والغرام المفتعلة، والخوف والرهبة من الامتحانات الدراسية، بالإضافة إلى تقديم مرتكبي جرائم المخدرات، والرشوة، والاختلاس بطرق محسنة ربما أسهمت في تقبل بعضنا لمرتكبي تلك الجرائم على أرض الواقع وقد تكون ساعدت أخرين على القيام بتقمص أدوار بعض المجرمين في تلك المسلسلات وتطبيقها على أرض الواقع وهذا ما تؤكده نظرية الغرس cultivation theory لجورج غيربنر George Gerbner ولاري غروس Larry Gross اللذان قاما بدراسة مدى تأثير وسائل الإعلام على المتلقين، وسبب القيام بتلك الدراسة يعود إلى تفشي مظاهر العنف والجريمة والاغتيالات في المجتمع الأمريكي في الستينات والسبعينات من القرن الميلاد المنصرم، وقد توصل الباحثان إلى أن مداومة التعرض للتلفزيون ولمدة طويلة ومنتظمة تنمي لدى المشاهد اعتقادا بأن العالم الذي يراه على شاشة التلفزيون إن هو إلا صورة من العالم الواقعي الذي يحياه، وأن المشاهد بحكم التصاقه ببرامجه يصدق هذا الواقع ويتعامل معه باعتباره حقيقة.
  • أن كثيراً من تلك الفضائيات عملت على توصيل رسائل هامشية وتافهة ذات مضمون يكرس رؤى الوافد الأجنبي في العديد من المجالات الاجتماعية والدينية الحيوية ومنها: التغريب والازدراء بالقيم والعادات والتقاليد، ومحاولات تسطيح الوعي عند الشباب وشغله بأمور ثانوية، وخلق حاجيات اتصالية وإعلامية بعيدة كل البعد عن الاحتياجات والانشغالات الإنسانية لديه من قبيل الفن الهابط، والحب المحرم، والاستهلاك اللامحدود واللامشروط، والاهتمام بتوافه الأشياء وعوارضها[18].

طرق علاجه:

على الرغم من أني أرى أن هناك خمس أسباب للخواء الفكري كان يمكن لأحدها أن يقلل من تداعيات وعلامات هذا الفراغ ولكن ليس بالضرورة أن يقضي عليه فعلى سبيل المثال لو قلنا بأن المدرسة كانت قوية وتمكنت من غرس عادة حب المعرفة والإطلاع لدى الطالب منذ صغره فإن هذا لن يكون ذا جدوى حقيقة ويعود ذلك لسببين:

  • الأول: انتهاء علاقة الطالبة بالمدرسة وهذا يفقده المحفز والدافع للإطلاع حيث لن يجد المعلم الذي الذي يشجعه ويحثه على القراءة والبحث كما أنه لن يجد الزميل الذي يجاريه ويتناقش معه ويشاركه همومه.
  • الثاني: وجود الطالب في بيئة تحيط به لا تشجع على اكتساب المعرفة خاصة الأهل والأصدقاء ستجعل يعزف عن القراءة حتى يصل لمرحلة ينسى ما تعلمه أيام المدرسة أو ربما يصبح ما لديه من معلومات متقادم فلا يفيده في فهم ما يدور حوله وربما يكون الطالب المطلع في هذه الحالة لقمة سائغة لذوي الأفكار الضالة خاصة وأنه قد يتوهم أن ما يطرحونه يجلب له ذكريات حسنة حين كان يتناقش مع زملاءه ويجد التشجيع من معلميه فيشده الحنين لتلك الأيام فيشعر معها أن تلك الفئة هي الوحيدة القادرة على أن تعيد له تلك الذكريات الطيبة فينخرط معها وبسبب ضعف حصيلته المعرفية لا يمكنه التمييز بين الغث والسمين ولا معرفة الحق من الباطل فيستسلم لتلك الفئات ومنها تبدأ مرحلة جديدة بالنسبة له يكون خلالها مهيأ لحشو رأسه المتعطش إلى المعرفة بما يصبه أولئك من معلومات.

ومن هنا فإني أشدد على أن المدرسة في المراحل الأولى من حياة الطالب خاصة المرحلة الابتدائية يمكن أن تكون ذات جدوى في تحصينه من الخواء الفكري ويمكن أن تؤتي تلك الجهود أكلها في حال انتقال الطالب إلى مرحلة دراسية أعلى تحظى بنفس الاهتمام والعناية خاصة فيما يتعلق بالتحفيز على المعرفة ولا خوف على الطالب في هذه الحالة من بقية المسببات أو ما أسميها العوامل المسببة للخواء الفكري، خاصة في حال كون زملاء المدرسة هم أنفسهم قرناء الطالب خارجها.

أما في حال كانت المدرسة ضعيفة ولم تؤدي الدور المطلوب منها في تنمية الطالب فكرياً وتعويده على حب الإطلاع والمعرفة فيأتي دور المنزل الذي أراه في المرتبة الثانية بعد المدرسة وربما يفوقها في الأهمية في حال كانت شخصية الأبوين قوية ومؤثرة وإيجابية لأن الأبوين الفاعلين أو حتى احدهما يستطيع مراقبة تحركات الأبن وسكناته ويمكن أن يحببه في القراءة والإطلاع ويحفزه عليهما، والأهم من ذلك من الممكن للأبوين أن يمنعا ابنهما من مخالطة رفقاء السوء مع متابعة تصرفاته داخل البيت وماذا يشاهد ويسمع مع مراقبة مواقع الإنترنت التي يتصفح ويزور وتوجيهه أولاً بأول وهنا الفرق الأهم بين الأبوين الإيجابيين والسلبيين، فالأب الإيجابي مع قوة الشخصية والقدرة على الإقناع والتأثير والتوجيه لا ينفك عن متابعة ابنه ومعرفة المواقع التي يزور والتحقق من مدى ملائمتها له من ثلاث نواح:

  • هل هذا الموقع خالٍ من المشاهد الإباحية والمخالفات الشرعية.
  • نوعية المادة التي يبثها الموقع والرسالة التي يسعى القائمون عليه إلى إصالها.
  • مدى مناسبة محتوى الموقع للعمر السني والفكري للابن مع التحقق من اشتماله على مادة متنوعة تخدم الابن وتنمي الجوانب المعرفية لديه.

كما أن دور الأبوين هنا لا يتوقف على مراقبة مواقع الإنترنت فقط بل يجب أن يمتد إلى الوسائل التقنية الأخرى وعلى رأسها الهاتف الجوال وما يتلقاه الابن من مكالمات وإن كان يصعب فعل ذلك إلا أنه يمكن استنتاجه من خلال تصرفات الابن أثناء تلقيه المكالمات الهاتفية حيث أن مغادرته المكان أو حديثه بصوتٍ خافت أو عدم الرد على المكالمات ربما تكون دلائل على وجود خلل لدى الابن وتشير إلى ارتباطه بصحبه غير جيدة يستقي منها ما يتعارض مع المبادئ التي يسعى الوالدان إلى ترسيخها في ذهنية الابن. كما أنه من الأهمية بمكان اطلاع أولياء الأمور على ما يحتويه هاتف الابن الجوال من رسائل نصية ومقاطع مرئية ومسموعة سواء كانت واردة من خلال رسائل الوسائط أو البلوتوث، وما يؤسف له أن كثيراً من أولياء الأمور خاصة الأبوين لا يعلمون ما يتلقاه أبنائهم عبر البلوتوث أو من خلال رسائل الوسائط وهذا ما “تظهره” (كمؤشر) دراسة ميدانية أجريتها في محافظة جدة شملت مئة أسرة كل واحدة منها تتألف من أحد الوالدين وأحد الأبناء أو البنات ممن يدرسون في إحدى المرحلتين المتوسطة أو الثانوية حيث كان لدي استبانة موجهة إلى (الابن/البنت) وأخرى شبيهة بها موجهة إلى أحد (الأب/الأم) بحيث كنت أخذ كل واحد منهما على حدة وأطلب منه تعبئة الاستبانة التي كانت اسئلتها تطرح بنظام المقابلة أيضاً بحيث أحصل على الإجابة الدقيقة وأضمن في نفس الوقت أن الوالد لا يمكنه معرفة اجابات ابنه أو الاستفادة منها.

وقد جاءت النتائج مثلما كنت متوقعاً وأقل في بعض الجوانب واتضح أن معظم الآباء والأمهات لا يعرفون الكثير عن أبنائهم ولا عن ما يفعلون داخل منازلهم فلا نوعية القنوات التلفزيونية التي يشاهدها الأبناء معلومة لكثيرٍ من الآباء ولا مواقع الإنترنت التي يتم تصفحها ونفس الشيء ينطبق على الهواتف الجوالة والألعاب الإلكترونية أما أكثر ما أسفت له فهو ما يتعلق بالإجابة على السؤال الثامن الموجه إلى الآباء المتعلق: بهل هناك قنوات موجهة للأطفال تهدف إلى التأثير سلباً على قيمهم وثقافتهم الإسلامية والعربية، حيث جاءت النتائج كما يلي:

حيث يرى 53% من الآباء (أب، أم) ممن يشاهد ابنائهم قناة الإم بي سي الثالثة (الموجة للأطفال والمراهقين) والتي تستأثر بـ 72% من الأطفال والمراهقين محل البحث، أنهم شاهدوا أو سمعوا عن ما يدل على خطر تلك القناة على القيم الإسلامية والعربية وهو ما يمثل 33% من المبحوثين بينما يرى 18% منهم عدم وجود قنوات تشكل خطراً على القيم الإسلامية وهو ما يمثل 11% من المبحوثين مقابل 29% منهم قالوا بأنهم لا يعلمون أو غير متأكدين من وجود الخطر ومع ذلك فإم بي سي الثالثة هي القناة المفضلة لأبنائهم وهو ما يمثل 18% من المبحوثين، علماً أن نسبة من يشاهدون قناة الإم بي سي الثالثة تصل إلى 72% من المبحوثين، وبالمقابل فإن نسبة الآباء ممن يرون خطر الإم بي سي على القيم الإسلامية لأطفالهم تشكل 49% من إجمالي المبحوثين.

وعلى الجانب الأخر فإن ثبوت تصفح الأبناء لمواقع تحتوي على مشاهد غير مقبولة أو مواد محضورة ربما يقود إلى أن الابن مرتبط بصحبة غير جيدة تحاول التأثير عليه ومن ثم استغلاله وما لم يتم تدارك هذا الأمر في وقت مبكر فإن الابن قد يصل إلى مرحلة لا يمكن معها استعادته وفيما لو وصلت العلاقة بين الابن ومن يسعون إلى التأثير عليه واستقطابه إلى مرحلة متقدمة بغض النظر عن تلك الجهة سواء كانت تصنف على أنها ضالة متشددة أو ضالة متحررة فالنتيجة في الغالب تشير إلى فقدان الأسرة لأحد أفرادها، وهذا ما كان بالإمكان تفاديه لو أن الأبوين كانا جادين في متابعة الابن قبل أن ينخرط مع تلك الجهة المجهولة التي صارت بديلاً عن أبويه وأصبحت مصدراً موثوقاً به، وهنا لا يمكنني أن ألقي باللائمة إلا على كاهل الأبوين أولاً وأخيراً اللذين لم يكونا جادين في رقابتهما على الابن والمسألة جدُ خطيرة ويجب أن لا يغفل عنها وما يثير الأحزان حقيقة أن كثيراً ممن فقدوا أبنائهم كانوا قد لاحظوا بعض ما يريبهم في تصرفاتهم قبل فقدانهم بمدة ليست بالقصيرة ولكنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث والتقصي خلف تلك التغيرات فكانت النتيجة أن سقطوا فريسة سهلة في أيدي تلك الجماعات الضالة التي وجدت فيهم مبتغاها، ولو كان الآباء قد انشعلوا قليلاً بتحصين الأبناء فكرياً لما آلَ حالهم إلى ما انتهوا إليه.

المبحث الثالث الإعلام:

أهمية الإعلام:

لقى الميدان الإعلامي الاهتمام الأكبر في الدراسة والتحليل، ونتيجة لهذا الاهتمام بالوسائل الإعلامية على اعتبار أنها القنوات الأساسية لانتقال الأخبار والمعلومات والأفكار، فقد اكتسبت بحوثه المتعلقة بالاتصال الجمعي بناء محددا غالبا ما يعبر عنه بالصياغة المشهورة التي صاغها ” هارولد لازويل” Harold Dwight Lasswell  وتقول: (من يقول ماذا لمن وبأي وسيلة وبأي تأثير؟)[19] وبهذا ندرك أهمية معرفة العناصر الثلاثة الرئيسية للبث الإعلامي المتمثلة بالمرسل، والرسالة، والمستقبل..

ويعرّف خبراء الإعلام العملية الإعلامية بأنها الوسائل التي بها تتم عملية الاتصال بالجماهير بحيث تتميز هذه الوسائل بالمقدرة على توصيل الرسائل في اللحظة نفسها وبسرعة إلى جمهور عريض متباين الاتجاهات والمستويات ومع قدرتها على نقل الأخبار والمعلومات والترفيه والآراء والقيم والمقدرة على خلق رأي عام وتنمية اتجاهات وأنماط من السلوك لم تكن موجودة لدى الجمهور المستهدف ومن هذه الوسائل الصحافة والإذاعة والتلفزيون والسينما والكتاب والتسجيلات المسموعة والمرئية والانترنت.[20]

بينما يرى تشارلز رايت Charles R.Wrights  بأن الإعلام يتمثل في نقل المعنى أو المغزى بين الأفراد.[21] بينما يقول ولبرم شرام: إن كلمة إعلام Communication مشتقة من اللفظ اللاتيني Communis أي شائع Common فنحن حينما نتصل نحاول أن نشارك معلومات أو فكرة أو اتجاه مع شخص ما أو مع الآخرين.[22]

وهناك من يرى بأن الإعلام قديم قدم البشرية نفسها ومنذ بدء الخليقة ظهرت حاجة الإنسان إلى الاتصال والتواصل بالآخرين وإخبارهم عن حاله ومعرفة أحوالهم ولكن الاستخدام الفعلي للإعلام لم يظهر إلا في القرن العاشر حين بدأ الرومان ينشرون الصحف الحائطية التي أخذت بالتطور حتى اختراع الطباعة بواسطة جوتنبرغ حيث كان المجتمع في تلك الفترة مهيئاً ومستعداً لتطوير ذلك الأسلوب الجديد في الكتابة وتدوير الأفكار وإن اضطرت تلك المجتمعات للانتظار حتى القرن السابع عشر الميلادي لتكون مستعدة تماماً لتقبل وسائل الإعلام الجماهيري[23].

وإن كنت لا اتفق مع هذا القول؛ ففيه إجحاف بحق العرب الذين عرفوا الإعلام قبل القرن العاشر الميلادي وحتى منذ عصور ما قبل الإسلام[24] وكانت وسائلهم في ذلك الخطابة والشعر اللذان كانا ينتقلان مشافهة؛ وهو ما يتفق مع تعريف تشارلز رايت للإعلام (يتمثل الإعلام في نقل المعنى أو المغزى بين الأفراد) حيث كانت العرب قادرة على فعل ذلك، مع أن معظمهم ذلك الوقت كانوا أميين لا يحسنون القراءة والكتابة، إلا أنهم أحسنوا في هذا الفن واستخدموه لأغراض عده ما زالت يستخدمها الإعلاميون في عصرنا الحديث كنقل الأخبار، والمدح، والهجاء، والرثاء والحماسة، وغيرها بل إن إعلام ذلك الزمان أجاد صناعة الإعلان الترويجي سواء للسلع أو للأشخاص من خلال الشعر خاصة ومن ذلك ما حصل في القرن الأول للهجرة، حيث قدم أحد تجار العراق إلى المدينة يحمل خُمُراً (مايغطى به الوجه) فباع الجميع الا الخُمر السود، فشكى حاله إلى بعض التجار فقالو له: ما يعينك بعد الله في التخلص من ما بقي من بضاعتك سوى الشاعر ربيعة بن عامر  الملقب بمسكين الدارمي، فصاغ الدرامي له ثلاثة ابيات جاء فيها:

قل للمليحـــة في الخمــــار الأسود … ماذا فعلت بزاهــــــــد متعبـــد
قد كان شمـــر للصلاة ثيابــــــه … حــــتى خطرت له بباب المسجـــــد

ردي عليه صلاتـــه وصيامــــــه … لا تقتليـــه بحق ديـــن محمـــــد

وحين ذاع خبر تلك الأبيات، لم تبقى في المدينة مليحة ولا غير مليحة الا اشترت لها خمار اسوداً فباع التاجر جميع ما لديه من خمر سوداء. وقائل تلك الأبيات ربيعة بن عامر متوفى بالمدينة المنورة سنة 89هـ فانظر كيف استغل العرب الشعر أو إعلامهم ذلك الوقت في الترويج لما يرغبون والتزهيد في ما يكرهون.

ومن ذلك أيضاً ما يروى أنه كان للمحلّق الكلابي[25] ثمان بنات، لم تتزوج منهن واحدة فأتى الأعشى في سوق عكاظ ونحر ناقته له، فقال الأعشى قصيدة يمدحه فيها ومنها قوله:

لعمـــري لقد لاحت عيــــون كثيرة … إلى ضوء نـار باليـفـــاع تحّرق
تشــــب لمقـــرورين يصطليـــانها … وبـات على النــار الندى والمحلّــق
رضيعــــي لبان ثدي أم تقاســـــا … بأسحـــــم داج عوض لا تتفرق
ترى الجــــود يجري ظاهراً فوق وجهــه … كما زان متن الهنــــدواني رونـق

وشاعت تلك القصيدة بين العرب، فما أتت على المحلق سنة حتى زوّج جميع بناته، وقد قيل بأن كل واحدة منهن زوجت على مائة ناقة، فأيسر وشرف وذاع صيته بسبب هذه القصيدة.

ومن هنا يمكن القول بأن الاعلام موجود في المجتمعات القديمة كما هو موجودٌ في المجتمعات الحديثة المتطورة، التي ربما تختلف طريقة تأثرها بالإعلام حسب درجة تقدم المجتمع، حيث تشير مجموعة دراسات لليونسكو حول الاستماع إلى الراديو ومشاهدة التلفزيون، ومنها تلك التي أجرها “بول نيورات” Paul Neurath-  على برامج الراديو في قرية هندية، ووجد أنه حين كان المستمعون أشخاصا في وضع عادي لم تمارس هذه البرامج أي تأثير, ولكن حينما نظمت جماعات الاستماع وأديرت مناقشات حول البرامج بعد إذاعتها مباشرة أحدثت هذه البرامج تأثيرا كبيرا، واتبع أغلب المستمعون الاقتراحات التي قدمت. وهذا ما توصلت إليه أبحاث أخرى أجريت في فرنسا وفي بلدان أخرى.

كما أن أهمية الإعلام في المجتمعات الحديثة لا تقف عند تأثيره المباشر بل تتعداه إلى التأثير اللاحق بفضل قوة تأثير المتلقين على الجماعة المحيطة بهم وهو ما يسميه دانييل كاتز Daniel Katz  المجرى الاتصال ذو الخطوتين[26] Tow –steps Flow of Communication وهو ما يعني وجود تأثير من قبل وسائل الإعلام تأتي إلى قادة الرأي Opinion Leaders الذين يمررون- بدورهم- هذه الآثار إلى جماعاتهم أو طبقاتهم. وقد حاولت إحدى دور الصحف أن تتعرف على قرائها فوجدت معظمهم ممن يحتلون وظائف هامة كأصحاب البنوك، والمحامين ورجال الأعمال والصناعة، وقد كان هؤلاء يمارسون تأثيرا على قرارات الآخرين سواء بضربهم المثل أو إعطاء النصح، أو إسداء المشورة، وانتهت هذه الدار من ذلك إلى أن إرسالها لا يتوقف عند قرائها فقط وإنما هؤلاء القراء ما هم إلا محطة تجديد وإعادة توجيه لهذه الرسائل، وهذا ما أريد أن أصل إليه حين أتحدث عن أهمية الإعلام بالنسبة للفئات الضالة ويقينها أنه ليس بالضرورة أن يستمع أو أن يقرأ كافة أطياف المجتمع رسالتها ولكنهم يسعون إلى تنويع الوسيلة الإعلامية قدر استطاعتهم لتصل إلى شرائح مختلفة تعتنق الفكرة ثم تقوم بدعمها من خلال مؤازرتها مادياً ومعنوياً بالإضافة إلى نشرها لكسب أعضاء جدد.

خطوات الفئات الضالة العملية لتفعيل الجانب الإعلامي:

حرص المنتمون إلى الفئات الظلامية على تفعيل الجانب الإعلامي والانتفاع به في الترويج لفكرهم وتحقيق غاياتهم ومن أبرز تلك التنظيمات التي حاولت الاستفادة من الانفتاح الإعلامي الهائل، تنظيم القاعدة الذي قام بتأسيس أكثر من مركز إعلامي يخدم توجهاته ويعمل على نشر أفكاره وقد نشر مجلس الشيوخ الأمريكي تقريراً[27] جاء فيه بأن للقاعدة جهاز إعلامي متشعب يتم توجيهه بواسطة اللجنة الإعلامية التابعة للتنظيم، التي تقوم باستعمال واسع للإنترنت سواء كان ذلك بشكل مباشر أو بواسطة مواقع إسلامية لا تتبع للقاعدة، ويشير التقرير بأن القاعدة تمتلك أربعة مراكز إعلامية رئيسة تعمل على إعداد وإصدار المواد والرسائل الإعلامية الخاصة بالتنظيم ثم تقوم تلك المراكز بنشرها وتعميمها على شبكة الإنترنت (production centers): ومن أبرز تلك المراكز:

أ‌.  السحاب – المرتبط بالقيادة الكبيرة للتنظيم. يُعمّم هذا المركز الإعلامي، من بين أمور أخرى، التسجيلات الصوتية والمرئية لزعيم القاعدة، أسامة بن لادن ولنائبه، أيمن الظواهري، واستناداً إلى المؤسسة الأمريكية لرصد الأنشطة الإرهابية (إنتل سنتر) فإن هذا المركز قد انتج ما يزيد عن 90 فيلماً دعائياً في عام 2007م فقط وهو ما يزيد على مجموع ما أنتجه المركز في الثلاث أعوام السابقة لذلك العام.[28] مع العلم أنه بدأ نشاطه الإعلامي عام 2000م وكانت أولى مواده شريط الهجوم على المدمرة الأمريكية (يو اس اس كول).

ب‌.  الفرقان – يتبع لتنظيم القاعدة في العراق.

ج. اللجنة الإعلامية – الهيئة الإعلامية التابعة لتنظيم القاعدة في جنوب إفريقيا.

د. صوت الجهاد – مرتبط بتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

كما أن هناك مراكز أخرى كاليقين، الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية، مركز الفجر، مؤسسة الأنصار الإعلامية، المركز الإعلامي لأمارة أفغانستان،  هذه المراكز الإعلامية تُعمّم وتنشر معلومات متنوعة، إخبارية وأيديولوجية، على سبيل المثال: إعلانات ورسائل رسمية حول نشاط القاعدة، أفلام قصيرة حول العمليات الإرهابية التي تقوم بها القاعدة وعناصر الجهاد العالمي، مجموعات مخزنة من الصور والأغاني والتراجم والأفلام المتحركة والتصميمات الغرافيكية والمجلات الإلكترونية وحتى الشعر.

المراحل التي يمر بها الشخص المستهدف إعلامياً من قبل تلك التنظيمات.

يحاول أرباب ذلك التنظيم نشر فكرهم من خلال الرسالة الإعلامية التي يقومون ببثها بطرق متنوعة وحين تظفر تلك الرسالة بقبول شخص ما فإنها بحسب الدراسات العلمية لا تؤثره به تأثيراً لحظياً فتنقله من حالة اللامبالة أو حالة الوسطية إلى حالة تبني العنف، ولكن الشخص هنا يمر بأربع مراحل حسب دراسة قامت بها شرطة ولاية نيويورك[29] (NYPD)، وتتمثل تلك المراحل الأربع بما يلي:

أ‌.  مرحلة ما قبلَ الـRadicalization – (Pre-Radicalization)- وهي مرحلة ما قبل التعرض للأيديولوجية الراديكالية.

ب‌.      مرحلة فقدان الهوية (Self-Identification) –  المرحلة التي يتباعد من خلالها المتلقي تدريجياً عن هويته السابقة ويبدأ في تبني واعتناق الأيديولوجية الراديكالية.

ج. مرحلة التربية والتلقين المكثف الـ Indoctrination – المرحلة التي يمر من خلالها المتلقي بعملية التذويت المنهجي لأفكار وقيم ومبادئ عن طريق غسيل الدماغ، ويتعاطف من خلالها مع الأيديولوجية الجديدة بصورة مطلقة لا تقبل الجدال.

د. مرحلة الـ [30]Jihadization أو ما أرى تسميتها بمرحلة الجاهزية وهي المرحلة التي يصل خلالها الشخص إلى تبني واعتناق الأيديولوجية العنفيّة الراديكالية، التي قد تدفع بالزائر ليصبحَ ضالعاً في تنفيذ عمليات إرهابية.

وطبقاً لما جاء في التقرير، فإن الإنترنت تلعب دوراً هاماً في كل مرحلة من المراحل الأربع.

نظرة على بعض الوسائل التقنية الإعلامية التي خدمت الفئات الضالة:

قبل أن أتحدث عن الإنترنت وهي الوسيلة الأبرز التي تحدث عنها التقرير، ويستخدمها أصحاب هذا الفكر الظلامي لعلي ألقي نظرة على أبرز الوسائل التقنية التي استفادت منها الفئات الضالة في نشر فكرها أو على الأقل استفادت منها في تهيئة بيئة قابلة لتبني إديولوجية العنف ومن تلك الوسائل وأهمها الألعاب الإلكترونية، الهواتف الجوالة، وسائل التخزين الصوتية والمرئية، بالإضافة إلى الإنترنت، ولعلي ابدأ بالألعاب الإلكترونية كإحدى أبرز الوسائل المؤثرة.

المبحث الرابع أبرز الوسائل التقنية المؤثرة سلباً على أمن المجتمع الفكري:

أولاً: الألعاب الإلكترونية

أثناء أعدادي لهذه الورقة كنت أركز على الجوانب الإيجابية والسلبية لكل وسيلة من حيث تأثيرها على الفكر وقد توصلت إلى أن لكل وسيلة من الوسائل التقنية الأربع جوانب إيجابية وأخرى سلبية باستثناء الألعاب الألكترونية حيث لم أعثر لها على إيجابية واحدة تخدم الفكر والعقيدة، بل إني وجدت أن لها جوانب سلبية كثيرة جداً ومتشعبة ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

  1. تربية الأطفال والمراهقين على الأخلاقيات والعادات المناقضة للتعاليم الإسلامية ولأعراف وتقاليد المجتمع.
  2. زرع كراهية من يمثلون السلطات الرسمية في البلد واحتقارهم والتشجيع على الاعتداء عليهم.
  3. خلق شخصية متقبلة لأعمال العنف ومستعدة للانضمام إلى تلك الجماعات بغرض محاكاة ما تعلمته على الطبيعة.
  4. دخول تلك الألعاب إلى المنازل بشكل طبيعي دون شعور أولياء الأمور بما تحمله من أخطار فكرية ونفسية وجسدية وعصبية.

قد يخفى على كثير من الأسر مع الأسف الشديد الأخطار الناتجة عن ممارسة أطفالهم لالعاب الفيديو أو الالعاب الإلكترونية وهذه الأخطار لا تتوقف على جريمة دون أخرى بل هي تمتد لتشمل كل الجرائم والأفعال المستهجنة في مختلف الأعراف والتقاليد البشرية ويكفي أن نقول بأن تلك الألعاب تحرض الشباب والمراهقين وحتى الأطفال على استخدام العنف وقتل رجال الأمن حيث تقدم بعض الألعاب الإلكترونية دروساً مجانية في كيفية قتلهم أو اختطافهم بالإضافة إلى الاعتداء عليهم والاستيلاء على سياراتهم.

وقد أثبتت البحوث العلمية للأطباء في اليابان أن الومضات الضوئية المنبعثة من الفيديو والتلفاز تسبب نوعًا نادرًا من الصرع، وأن الأطفال أكثر عرضة للإصابة بهذا المرض فقد استقبل أحد المستشفيات اليابانية 700 طفل بعد مشاهدة أحد أفلام الرسوم المتحركة، وبعد دراسة مستمرة تبين أن الأضواء قد تسبب تشنجات ونوبات صرع فعلية لدى الأشخاص المصابين بالحساسية تجاه الضوء والذين يشكلون 1% من مجموع سكان أي دولة[31].

والإشكال أن تلك الألعاب التي صممتها وأنتجتها شركات غربية لا تباع حصرياً في تلك البلدان بل إنها تباع هنا في بلداننا العربية وبأسعار زهيدة وقد ينطبق على منتجي تلك الألعاب قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}[32] علماً أن بعض تلك الألعاب لا يباع للكبار حين يطلبونها وقد قمت بالتجربة بنفسي حيث حصرت أسماء عشر ألعاب من تلك العنيفة أو المخلة بالأدب والداعية إلى ما يخالف أعراف وتقاليد المجتمع وحين ذهبت إلى أحد المحلات بالقرب من منزلي لم أحصل عليها ولكن حين أرسلت ابني (15 سنة) جاء بها جميعا بل واشترى نسخة حديثة جداً لإحدى الألعاب العنيفة تسمى (غراند ثيفت أوتو) لم تكن قد نزلت في معظم أنحاء العالم.

وقد قمنا من جانبنا في الإدارة العامة للأمن الفكري بالتعاون مع مجموعة من المهتمين بالرفع عن ذلك للجهات العليا بوزارة الداخلية حيث اتضح أن هذه الأمر محل اهتمامهم، وهناك لجنة مشكـّـلة من عددٍ من الجهات المعنية (وزارة الداخلية، ووزارة التجارة، ووزارة الإعلام) للتعاطي مع هذه الظاهرة الخطيرة. ولكني على يقين أن المسألة ما زالت في طور الخطر وأن جهوداً حثيثة يجب أن تبذل إن أردنا بالفعل كبح جماح هذا الغول الذي يتهدد شبابنا واطفالنا ويهدد مجتمعاتنا باسرها.

ولإدراك خطورة تلك الالعاب من خلال انشارها الرهيب يكفي أن نعلم حجم مبيعاتها، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن حجم المبالغ المنفقة على الألعاب الإلكترونية يصل إلى نحو 95 مليار دولار[33] وينفق الطفل السعودي في المتوسط 400 دولار أمريكي وعدد الألعاب التي يتم تداولها بين الأطفال حوالي ثلاثة ملايين لعبة منها عشرة آلاف نسخة أصلية والباقي منسوخ كما أن عدد الأجهزة يصل إلى مليون وثمانمائة ألف جهاز وأن ما نسبته 40% من البيوت السعودية تمتلك جهاز ألعاب الكترونية واحد على الأقل

ومن مخاطر تلك الالعاب ما أشارت إليه إحدى الدراسات من أن الأطفال المشغوفين بهذه اللعبة يصابون بتشجنات عصبية تدل على توغل سمة العنف والتوتر الشديد في أوصالهم ودمائهم، وربما وصل الأمر إلى أمراض الصرع الدماغي. ويقول الدكتور سال سيفر: إن الالعاب الإلكترونية يمكن أن تؤثر على الطفل فيصبح عنيفاً، فعلى سبيل المثال لعبة (first shooter)  الأكثر قتلاً أو السفاح رقم واحد تزيد رصيد اللاعب من النقاط كلما تزايد عدد قتلاه؛ وهنا يتعلم الطفل ثانية أن القتل شيء مقبول وممتع. فالطفل في هذه اللعبة يشارك في العنف بالقتل والضرب والتخريب والسحق والخطف ونحو ذلك، وربما كان ذلك بمسدس في يده  فتكون بمثابة تدريب شخصي فردي له[34].

ويذكر الدكتور أحمد المجدوب، مستشار المركز القومي للبحوث الاجتماعية بالقاهرة: بأن هذه الألعاب تصنع طفلاً عنيفًا؛ بسبب احتوائها على مشاهد عنف لا تنفك عن عقل الطفل، ويبقى أسلوب تصرفه في مواجهة المشاكل التي تصادفه يغلب عليه العنف[35].

وكشفت دراسة ألمانية نشرتها دورية جيو فيسن الشهرية أن ألعاب العنف الإلكترونية هي أكبر عامل لانجراف الشباب نحو الجريمة، ورغم أن الباحثين وجدوا تأثيرا كبيرا للفقر وسوء التربية وسوء العلاقة بين الأبناء والآباء والوسط السيئ على فرص الانجراف للعنف فإنهم رصدوا أهمية أكبر لألعاب العنف على الكمبيوتر واكتشفوا أن خطورة هذه الألعاب تفوق مشاهدة أفلام العنف والرعب في التلفزيون، وأنها تمثل السبب الأكبر لارتكاب الجنح الصغيرة مثل ضرب الآخرين والتخريب والسخرية من الأقران والسطو على ماكينة البيع الآلي في الشوارع وحسب الدراسة التي أعدها البروفيسور فيرنر هوبف الباحث في علم النفس والتي شملت 653 تلميذاً، فإن مشاهدة المواد الإلكترونية المتعلقة بالعنف تؤثر سلباً على درجات هؤلاء التلاميذ في اللغة الألمانية واللغة الإنجليزية. ويذكر هوبف إلى أن دراسة أمريكية أخرى مشابهة أعدها البروفيسور سور كريج أندرسون بجامعة ولاية أيوا عام 2007م أكدت النتيجة التي توصلت إليها هذه الدراسة. ورغم أن الدراسة الأمريكية صنفت هذه الألعاب الإلكترونية في المركز الثاني من ناحية درجة خطورة الانجراف للجريمة إلا أنها جاءت بعد الانضمام لعصابة وهذا ما يعد ظاهرة خاصة بأمريكا.[36]

كما أثبتت كثيرٌ من الأبحاث التي أجريت في الغرب وجود علاقة بين السلوك العنيف للطفل ومشاهد العنف التي يراها، وفي هذا الصدد تشير أم لأربعة أطفال اعتاد أبناؤها استخدام الألعاب الإلكترونية لأكثر من 3 ساعات يومياً إلى أنها كانت في بداية شرائها إحدى الألعاب الإلكترونية فرحة بتمضية أطفالها أوقات فراغهم، لكنها شعرت بالكثير من القلقل حين أخذ أطفالها بتطبيق ما يرونه في تلك الألعاب على أرض الواقع من خلال إجراء مسابقة بينهم يتنافسون فيها على تكسير وتحطيم أكبر عدد ممكن من أواني المطبخ. وتقول استشرت طبيباً نفسياً ونصحني باختيار قصة تعطي فكرة رياضية.

كما أن تلك الألعاب تصنع طفلاً أنانيًا لا يفكر في شيء سوى إشباع حاجته من هذه اللعبة، وكدليل على ذلك وعلى نهم بعض الأطفال والمراهقين وحرصهم الشديد على إشباع رغباتهم بغض النظر عن أي اعتباراتٍ أخرى، وأيضاً كشاهدٍ على خطورة تلك الالعاب التي تقود من يمارسها إلى تبني العنف كأسهل وأسرع الحلول بغض النظر عن الشخص المقابل، ما قام به أحد المراهقين ويدعى دنيال باتريك والذي يبلغ من العمر الآن 17 عاماً، حيث كان غاضباً جداً بسبب عدم سماح والده له باللعب بلعبه Halo3 وهي لعبة مليئة بالعنف والدماء حسب تصنيف موقع (ESRB) حيث يروي والده مارك ما حدث فيقول: كنت أنا ووالدته في الغرفه ودخل علينا دنيال الذي كان يبلغ من العمر ذلك الوقت 16 عاماً وقال : لدي مفاجئه لكم، هل لكم أن تغمضوا أعينكم. يقول مارك أنه توقع أن تكون مفاجئه سارة لهم، والشيء الذي أتذكره أنه قام بإطلاق النار نحوي وبالتحديد على رأسي، ثم أطلق النار على والدته سوزان 43 سنه التي ماتت فوراً. والشيء الذي أتذكره أن دنيال وضع المسدس في يدي وقال : يا أبي ، هاهي مسدسك، خذها . ويبكي مارك ويروي عن كيف أنه تمكن من البقاء حياً ويقول : جاءت ابنتي وزوجها إلى المنزل لمشاهده إحدى المباريات الرياضية، وقد سمعت ابني يخبرهم بعدم الدخول بقوله: لا يمكنكم الدخول لأن أمي وأبي لديهم خلاف كبير فيما بينهم. ويجدر بنا هنا أن نتوقف لنرى حجم الفكر الإجرامي ومدى تغلغله في عقل ذلك الصبي الذي لم يتجاوز السادسة عشر من عمره ومع ذلك قام بمجموعة من الأفعال الإجرامية

  1. قتل أبويه.
  2. محاولة إيهام المحققين بأن الحادثة انتحار وليست قتل.
  3. رباطة الجأش وبرود الأعصاب حين تحدث مع شقيقته وطلب منها عدم الدخول بحجة وجود خلاف بين والديه.

ويظهر لي أن ممارسة تلك الألعاب بشكل يومي وإدمانها وربما كان ذلك منذ سنوات مبكرة أيضا أوصل هذا المراهق إلى مرحلة تقمص شخصية أحد أبطال تلك الألعاب ومارس ما كان يشاهده طوال تلك الفترة من عمليات قتل وإراقة للدماء، والأخطر من ذلك كله أنه استطاع أن يعيش نفس المشاعر التي كان يحياها أثناء عمليات القتل حيث خطط بهدوء وتفنن في عملية القتل وحتى حين كان يشاهد أبويه يغرقان بدمائهما لم يؤثر فيه كل ذلك بل كان يفكر في الكيفية التي تعينه على تبرئة ساحته. وإن كان هذا يحدث لمثل هذا الشاب وغيره كثيره فكيف لا نأخذ بعين الاعتبار مسألة أن أبنائنا ممن يمارسون تلك الألعاب بلا رقيب ولا حسيب قد ينزلقون في نفس المنزلق أو على الأقل قد يتبنون العنف كوسيلة رئيسية في حل مشاكلهم وتصفية حساباتهم مع أقرانهم سواء في المنزل أو المدرسة أو الحي، والأسوأ من ذلك أن هؤلاء الشباب ربما رأوا في الشخصيات التي تبنت سياسة العنف واتخذت من الإرهاب وسيلة لإسماع نعيقها أبطالاً يستحقون أن يحتذى بهم وبالتأكيد أن المنتمين للفئات الضالة لن يتورعوا ولن يترددوا لحظة عن تجنيد أولئك الأغرار واستخدامهم كوقود في عملياتهم الإرهابية. وحتى لو سلمنا وقلنا بأن كل هذا الكلام مبالغ به على الرغم من أنه مستند على حقائق وشواهد مثبتة فإني على يقين بأن الفئات الضالة ستنتفع من أولئك المراهقين الممارسين لألعاب الفيديو العنيفة على الأقل بكسب تعاطفهم ومعاداة كل من يسعى إلى محاربتهم ومكافحة إرهابهم وبالطبع على رأس أولئك ولاة الأمر، والعلماء الربانيين، ورجال الأمن، وحتى أولئك المخلصين من منسوبي الجامعات والسلك التعليمي الذين أمضوا الساعات في البحث والتوعية من خطر تلك الفئة الباغية.

وفي تقرير أعده موقع دنيا الإلكتروني يشير فيه إلى أن نسبة كبيرة من الألعاب الإلكترونية تعتمد على التسلية والاستمتاع بقتل الآخرين وتدمير أملاكهم والاعتداء عليهم بدون وجه حق، وتعلم الأطفال والمراهقين أساليب ارتكاب الجريمة وفنونها وحيلها وتنمي في عقولهم قدرات ومهارات آلتها العنف والعدوان ونتيجتها الجريمة وهذه القدرات مكتسبة من خلال الاعتياد على ممارسة تلك الألعاب. حيث يقول الدكتور كليفورد هيل المشرف العلمي في اللجنة البرلمانية البريطانية لتقصي مشكلة الألعاب الإلكترونية في بريطانيا: لقد اغتصبت براءة أطفالنا أمام أعيننا وبمساعدتنا بل وبأموالنا أيضاً، وحتى لو صودرت جميع هذه الأشرطة فإن الأمر سيكون متأخراً للغاية في منع نمو جيل يمارس أشد أنواع العنف تطرفاً في التاريخ المعاصر. وفي دراسة في كندا لثلاثين ألف من هذه الألعاب الإلكترونية تم رصد اثنين وعشرين ألفاً منها تعتمد اعتماداً مباشراً على فكرة الجريمة والقتل والدماء. وذكرت دراسة أمريكية حديثة أن ممارسة الأطفال لألعاب الكمبيوتر التي تعتمد على العنف يمكن أن تزيد من الأفكار والسلوكيات العدوانية عندهم. وأشارت الدراسة إلى أن هذه الألعاب قد تكون أكثر ضرراً من أفلام العنف التلفزيونية أو السينمائية لأنها تتصف بصفة التفاعلية بينها وبين الطفل وتتطلب من الطفل أن يتقمص الشخصية العدوانية ليلعبها ويمارسها.[37]

ويذكر عضو هيئة التدريس في جامعة الملك سعود المتخصص في مجال الإعلام، الدكتور  فهد بن عبدالعزيز الخريجي: أن الطفل السعودي بصفة خاصة، والعربي بصفة عامة، يتعرض إلى نوع من الإرهاب أشد خطراً مما يسمى بالإرهاب الظاهر الذي يمكن تشخيصه وعلاجه بسهولة موضحاً أن الإرهاب الذي يجب الحذر منه هو الإرهاب الذي تحمله الألعاب الإلكترونية. وأضاف بأن مشكلة هذا النوع من الإرهاب أنه يكمن في منازلنا دون أن نشعر به، ويعبث بعقول أطفالنا، وهو كذلك أسلوب يقوم على التربية طويلة المدى للناشئة دون وعي الوالدين أو السلطات الأمنية. وأكد أن الدول الكبرى التي تقوم بمحاربة ما تسميه الإرهاب هي الصانعة والمصدرة له في شكل ألعاب إلكترونية من خلال شركاتها العابرة للقارات، وأصبحت هذه الدول تعالج آثار الإرهاب بدلاً من معالجة مسبباته. ويلفت الدكتور فهد الأنظار إلى أمرٍ في غاية الأهمية وهو أن ما يتعلمه أطفالنا في المدارس من حث على مكارم الأخلاق والرحمة والمحافظة على المال والنفس والعرض واحترام الآخرين، تأتي هذه الألعاب لتدرب الأطفال على احتقارها بشكل متواصل دون رقيب ولا حسيب، ويختم الدكتور الخريجي حديثه بقوله إنه سأل بعض الأطفال عن أهم ما في بعض الالعاب فقالوا أحسن شيء أن تعذب الشرطي، وهنا يتعلم الأطفال كيفية قتل رجال الشرطة والاستهانة بهم، وضربهم ضرباً مبرحاً حتى القتل بالعصا أو بالرفس واللكم، إضافة إلى التدرب على الاغتيال بأشكاله كافة حتى للعجائز والأطفال والأبرياء. ولكن ما يدعو للطمأنينة أن النسبة العظمى من أطفال ومراهقي المملكة أو دعني أقول في محافظة جدة حيث أجريت الدراسة ولعل ذلك يكون مؤشر على حال بقية المدن والمحافظات حيث لحظت وجود عزوف عن تلك الألعاب بالنسبة للأطفال والمراهقين كما يظهر من الرسم البياني التالي:

يظهر أن كرة القدم تحظى بالشعبية الأولى بين الألعاب الإلكترونية الأكثر تفضيلاً بالنسبة للأطفال والمراهقين في المملكة وتحديداً في محافظة جدة (مع ملاحظة أن بعض المبحوثين يقيم هناك بشكلٍ مؤقت) حيث جاءت بالمرتبة الأولى 33% فيما لا تحظى ألعاب القتال والعنف سوى على 6% وهذا مؤشر جيد وإن كان لا يعني بالضرورة أن البقية التي تمثل 94% لا تمارس ألعاب العنف والقتال، فقد يكون العكس ولكنها ليست خياراً أولاً وهذا مهم يظهر لنا عدم إدمان الشريحة الكبرى من الأطفال والمراهقين على تلك النوعية من الالعاب العنيفة، ومن جهة ثانية قد نلاحظ أن ألعاب العنف تحتل مرتبة متأخرة في المملكة على الرغم من أنها تحقق مبيعات عالية جداً في جميع أنحاء العالم ومن ذلك ما أعلنته شركة مايكروسوفت حول لعبتها حروب هالو Halo Wars التي قام أكثر من مليوني مستخدم بتنزيلها من الإنترنت في الخمسة أيام الأولى من إطلاق اللعبة[38]، وهذا ربما يعزز مسألة أهمية التحقق من مستخدمي الألعاب الإلكترونية الذين تتجاوز أعمارهم الثامنة عشر، حيث أن دراستي هنا مسلطة على الأطفال والمراهقين بين إحدى عشر سنة وثمانية عشر سنة. ولعلي لا أغفل مؤشر أخر على أهمية مسالة الألعاب الإلكترونية وإمكانية إحداثها تغييرات جذرية في مجتمعاتنا وثقافتنا وحتى معتقدنا، حيث تلاحظ الدراسة أن 3% فقط ممن شملهم البحث ليس لديهم جهاز ألعاب الكترونية

والمخيف حقاً أن مشاهد العنف لا تقف عند حد فمنتجو تلك الألعاب لا يكتفون بتقديم مشاهد الدماء فقط للأطفال ولا بالرؤوس البشرية وهي تتساقط من الأجساد بل يغرقون أكثر في هذا المستنقع حين يقدمون مشاهد لصراع بين رجلين ينتهي بسحب قلب الخصم من أحشائه ورفعه في الهواء وهو ينبض، إعلانا للنصر، وأخرى تنتهي بسحب النخاع الشوكي مع جمجمة الخصم.

وبعد أن أسهبت في حديثي حول هذه الألعاب مستشهداً بأقوال بعض المختصين، لعلي أسوق مقتطفات من حديث أحد مدمني تلك الألعاب يحكي من خلاله (وبتصرف مني) مشاعره أثناء ممارسة اللعب حيث يذكر عن إحدى الألعاب: بأنها جعلت أحاسيسه تغرق تماماً معها، ويحذر بأنه على الرغم من روعة قصة اللعبة إلا أنه عند تعمقك في اللعبة ستصاب بنوع من الارتياب حول كل ما يحيط بك، والأشد من ذلك كله أن أحداث اللعبة تدور في مكان لا يمكن أن تسير فيه خطوتين وحيدا. وحول لعبة أخرى يقول: بالنسبة للكثيرين، فإن بعض الألعاب مجرد مشاهد مخيفة، تنساها فور انتهاء اللعبة، يخفق قلبك بسرعة لمدة قصيرة ثم يعود لحالته الطبيعة العادية، وهذا لا ينطبق على هذه اللعبة، فالطريقة التي تعتمدها في العبث بعقولنا وأحاسيسنا داخل اللعبة وخارجها تجعلك تقيس مدى ضعف القلب البشري؛ فالمطورون تعمدوا وضعنا وسط بيئة لا يمكن أن تصبح أكثر فوضوية مما هي عليه من التأثيرات الصوتية المرعبة، التي تشمل أصوات وقع الأقدام وصراخ الأطفال المرعب، وطريقة الإخراج، كلها عوامل ستجعلك تنسى نفسك، وتتسبب في شلل مؤقت ليديك، بحيث أنه في بعض الأحيان، ستخشى لمس جهاز التحكم، ولن تستطيع فعل شيء أثناء هجوم أحد الأعداء عليك، كل هذه الأشياء سببت لي شيئاً من الجنون، حتى أنه في بعض الأحيان شككت أن من يقاتلني في اللعبة حي بالفعل و حاولت قتله في مرات أخرى. ويصف مشاعره لحظة ممارسة اللعب العنيف والمرعب فيقول: لقد جربت هذا الموقف واعرف ما هي الحال عليه، نبضات قلبك ترتفع إلى حد أنك ستسمع قلبك ينبض في أذنك، وكلما تريد فعله هو مغادرة المكان بأسرع ما يمكنك؛ فبعض الألعاب لا يمكنك أن تلعبها وحدك في غرفة مظلمة[39].

ما أوردته في الفقرة السابقة ما هو سوى نزر يسير من تجارب كثيرٍ من أبنائنا الذين أدمنوا تلك الألعاب، وإن كان وقع تلك الألعاب بهذه الدرجة من القوة والتأثير على شخص يبدو من حديثه ومنطقه أنه ربما يكون قد بلغ من العمر مراحل متقدمة تجاوز معها سني المراهقة، فكيف يكون الحال بالنسبة لمن هم أصغر سناً وأقل نضجاً من الأطفال والمراهقين، فالأكيد أن تلك الألعاب تفعل أفاعيلها بأولئك الشباب وما نلاحظه من تصرفاتهم وما يرويه بعض المختصين وذوي العيادات النفسية خير برهان على فداحة المخاطر المتأتية من تلك الألعاب.

وبعد انتشار تلك الألعاب العنيفة التي يباع منها ملايين النسخ سنوياً وتشكل خطراً على المجتمعات بأسرها، قام عضو الكونغرس الأميركيّ السيناتور جو ليبرمان Joe Lieberman).  في عام 1993م بالمطالبة بإنشاء هيئة تعنى بتقييم تلك الألعاب قبل طرحها في الأسواق ووضع إشارة على علبة اللعبة لمساعدة أولياء الأمور لمعرفة محتوى اللعبة والعمر المناسب لمن يلعبها ولتثقيفهم حول نوعيّة الألعاب التي سيستخدمها الأطفال في الترفيه عن أنفسهم، وفي السنة التالية تم إنشاء ما يسمى بهيئة تصنيف وسائل الترفية الإلكتروني  (Entertainment Software Rating Board )

ويرمز لها ب (ESRB) وهي هيئة غير ربحية يمكن زيارة موقعها على الإنترنت للاستعلام عن أي لعبة ومدى ملائمتها للأطفال.

ثانياً: الهواتف الجوالة

قبل أن أبدأ حديثي حول سلبيات الهاتف الجوال مع التعريض وبسرعة بإيجابياته التي لا يمكن حصرها، رغبت في إعطاء لمحة موجزة وسريعة عن مدى انتشار هذه الوسيلة وتمددها بشكل سريع لتغطي أرجاء المعمورة بغض النظر عن الحالة الاقتصادية والإمكانيات المادية للمستخدمين، وربما يكون كافياً للتعرف على حجم الانتشار أن نعلم أن مبيعات أجهزة الهاتف الجوال في عام 2008م فاقت 127.8 مليار دولار حسبما يشير إلى ذلك أحد التقارير الصادرة عن مؤسسة فورست اند سوليفان، التي ذكرت أن المبيعات لن تتوقف عند ذلك الرقم بل توقعت أن ترتفع في غضون أربع سنوات لتصل الى 153 مليار، أكثر من 39 مليار منها سيتم إنفاقه في الشرق الأوسط فقط، كما سيرتفع عدد مشتركي الهاتف الجوال من 3 مليارات عام 2009م ليصل خلال خمس سنوات إلى خمسة مليارات وثلاثمائة مليون مشترك، يضخون أكثر من تريليون دولار سنوياً تصب في أرصدة شركات الاتصالات. وتذكر إحدى الإحصائيات أن عدد مشتركي الهواتف الجوالة في الدول العربية يقدر بأكثر من 118 مليون شخص حتى نهاية عام 2008م. كما تذكر مؤسسة وايرلس إنتليجنس بأن ايرادات سوق الجوال (هواتف وخدمات) في السعودية لوحدها وصلت الى 8.1 مليارات دولار وهو ما يشكل 37% من اجمالي ايرادات الدول العربية وفي المقابل فإن المملكة تحتل المرتبة الثانية بعد تركيا كأكبر سوق في الشرق الاوسط حيث بلغ عدد الشرائح التي جرى بيعها حتى نهاية سنة 2008م أكثر من 40 مليون وثمانمائة ألف شريحة جوال موزعة على ثلاث شركات حيث فازت شركة زين بثلاثة ملايين عميل خلال أقل من ستة أشهر من تشغيلها، بينما ظفرت شركة موبايلي بأربعة عشر مليون وثمانمائة ألف عميل وإيرادات تجاوزت عشرة مليارات ريال وثمانمائة مليون في نفس العام بينما حظيت شركة الاتصالات السعودية على الحصة الأكبر من عدد المشتركين حيث تجاوز عملائها ثلاثة وعشرين مليون عميل بنهاية عام 2008م[40]

السطور السابقة ربما تجعل بعضنا أكثر استعداداً للتفاعل مع الدور الذي يلعبه وسيلعبه الهاتف الجوال مستقبلاً في تغيير المجتمعات البشرية بعامة والتأثير على عاداته وتقاليده سلباً أو إيجابياً بحكم تغلغله وتوفره حتى صار بحكم الضرورة التي لا يستغني عنها معظم الأشخاص بغض النظر عن تصنيفاتهم الطبقية والعمرية. ولعلي حتى لا اذهب بعيداً أتحدث حول شيئاً من إيجابيات تلك الوسيلة وبعضاً من سلبياتها مقتصراً على الجوانب الفكرية منها فقط وهو مجال بحثي هنا، ومن تلك الإيجابيات ما يلي:

  1. التواصل مع الآخرين وتوجيههم مباشرة من خلال هذه الوسيلة.
  2. بث رسائل دعوية وإرشادية مفيدة.
  3. استغلال تقنية البلوتوث في نشر مقاطع صوتية ومرئية هادفة.
  4. الإبلاغ عن الأنشطة والفعاليات القيمة والتذكير بها.
  5. دعم بعض الأنشطة الجيدة والبناءة من خلال عوائد الرسائل المادية.

إلا أنه مع انتشار الهواتف الجوالة في العقد الأخير كثرت سلبياتها؛ بسبب إساءة بعض الأشخاص استخدامها واستغلالها لتحقيق أهداف ومقاصد سيئة ومن أبرز تلك السلبيات:

  1. سهولة الوصول إلى بعض الفئات المستهدفة من قبل الجماعات المتطرفة والتأثير عليهم.
  2. نشر مقاطع صوتية ومرئية مضللة وبثها عن طريق البلوتوث.
  3. وسيلة تواصل وتنسيق وتخطيط تستخدم من قبل الجماعات المتطرفة.

ومع تعدد استخدامات هذا الجهاز الخفيف وسهولة استخدامه ونقله وقلة تكلفته وفوق كل ذلك توفر بطاقات هاتفية لا يتطلب اقتناءها الكشف عن هوية المستخدم مما فتح المجال أمام أصحاب النوايا السيئة خاصة الإرهابيين باستخدامها كوسيلة اتصال وتنسيق عن طريق المحادثة مباشرة أو الرسائل النصية بالإضافة إلى استخدام تقنية البلوتوث التي ساهمت في نشر عملياتهم بين عامة الناس بغرض كسب تعاطفهم.

ولمعرفة أهمية ما يتم التقاطه عبر كميرات الجوال ومن ثم نشره بشتى وسائل النشر سواء عن طريق البلوتوث بين الهواتف الجوالة أو رفعه على مواقع الإنترنت المختلفة بغض النظر عن محتواه والذي غالباً ما يحتوي على مادة لها جاذبية وتأثير خاص على المتلقي، وتأكيداً على الأهمية يكفي أن نعلم أن شركة غوغل google قامت بشراء موقع اليوتيوب youtube في شهر نوفمبر 2006م بمبلغ تجاوز المليار وستمائة مليون دولار والعجيب أن هذا الموقع لم يكمل عامه الثاني ساعة بيعه حيث تأسس في شهر فبراير 2005م. ولم يكن القائمون على شركة غوغل ليدفعوا ذاك المبلغ الضخم لو لم يكن لديهم يقين كامل بجدوى الاستثمار في هذا المجال والفكرة ببساطة تتمثل بتوفر جهاز جوال مزود بكاميرا لدى النسبة العظمى من الناس ويمكن لكل واحدٍ منهم التقاط ما يصادفه من حوادث ورفعها على ذلك الموقع الذي يوفر مساحات هائلة جداً ويتلقى كماً ضخماً من الملفات كل ثانية النسبة العظمى منها يتم رفعه من قبل الأفراد سواء ما يلتقطونه بكاميراتهم الخاصة أو يتلقونه من آخرين أو يقومون بتسجيله من القنوات الفضائية المختلفة ومما يستحق الذكر هنا كشاهد على حجم تداول ملفات الفيديو بين الناس، أن أكثر من (65000) مقطع فيديو يتم رفعها يومياً على الموقع، بينما يقوم زوار الموقع بمشاهدة أكثر من (100 مليون) مقطع فيديو يومياً وارتفع هذا الرقم ليصل إلى (6مليارات) مقطع فيديو في شهر يناير 2009م وهو ما يعادل (200 مليون) مقطع فيديو يومياً، وأخيراً وحتى لا أغرق في هذا الأمر فقد أشارت أخر الإحصائيات إلى أن أكثر من (15 ساعة) من ملفات الفيديو الجديدة يتم إضافتها على موقع اليوتيوب كل دقيقة[41].

كل ذلك مؤشر قوي على أهمية الوسيلة الإعلامية التقنية ومرونتها الشديدة لدرجة يكمل بعضها الأخر، بحيث تقوم كاميرا الجوال بتصوير الحدث ومن ثم تمريره إلى آخرين عبر تقنية البلوتوث ورفعه على موقع اليوتيوب أو غيره ليأتي أخرون ويقومون بتحميله على أجهزتهم أو عرضه في بعض القنوات الفضائية التي يقوم بعضها بتخصيص برامج لعرض تلك النوعية من الأعمال، وهكذا تجد أن ثلاث وسائل تقنية هائلة تمتزج فيما بينها لتسهيل وصول المادة الإعلامية إلى المتلقي بغض النظر عن محتواها.

وهنا يبرز السؤال الأهم المتمثل في مدى استشعار الآباء ومن في حكمهم لحقيقة ما يدور، وهل يعلم أولئك الآباء ما يتلقاه أبنائهم من خلال تلك الوسيلة؟ ولكن من خلال ما قمت به من استطلاع على مئة أسرة في مدينة جدة وسؤال الأب أو الأم عن ما طبيعة المادة التي يتلقاها الابن أو البنت، أعطت الدراسة مؤشراً على وجود نسبة كبيرة من الآباء تجهل ما تحويه أجهزة أبنائهم حيث أفاد 14% من المبحوثين أنهم لا يعلمون شيئاً عما يتلقاه أبنائهم في أجهزة الجوال، مقابل 24% تطابقت إجاباتهم مع إجابات أبنائهم، بينما كان 30% من الآباء يعتقدون أن أبنائهم يهتمون ويحرصون على مواد معينة ولكن أبنائهم أفادوا بخلاف ما قال آبائهم، أما 24% من الأبناء فلم يكن لديهم أجهزة هاتف جوال وهي نسبة قريبة من نسبة عدد السعوديين الذين ليس لديهم هواتف جوالة حيث تبلغ 20% مع ملاحظة أن هذه الدراسة كانت مقتصرة على الفئة من عشر سنوات حتى 18 سنة، وأخيراً فهناك 8% فقط من المستخدمين لا تستخدم خدمة البلوتوث ولا رسائل الوسائط بمعنى أن 92% من مقتني الهاتف الجوال يتلقون مواد عبر هاتين الخدمتين وهي نسبة كبيرة جداً تؤكد أهمية الاعتناء بهذه الخدمة وبذل الجهود اللازمة لتوجيهها بشكلٍ صحيح.

8% لا يستقبل
24% لا يوجد جهاز
14 لا أعلم
24% تطابقت إجاباتهم
30% لا تتطابق إجاباتهم

ولكن يبقى الهاتف الجوال ذو البطاقة مجهولة الهوية الوسيلة الأفضل للتواصل بالنسبة للإرهابيين خاصة حين كانوا يعتقدون باستحالة كشفهم أو التعرف على هوياتهم وتأكيداً لذلك فقد أخذ المحققون بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر يتابعون محادثات وتحركات عدد كبير من زعماء القاعدة وعشرات من ناشطيها لمدة سنتين كاملتين، وتوصلوا إلى أن المشتبه بهم يفضلون شريحة معينة من شرائح الهواتف الجوالة مسبقة الدفع التي يمكن شرائها دون إعطاء الاسم. وقال أحد مسئولي الاستخبارات الأوربيين: «كانوا يعتقدون أن هذه الشرائح تخفي هوياتهم، ولكنها لم تفعل». فحتى بدون معلومات شخصية استطاعت السلطات أن تراقب الهواتف الجوالة بصورة روتينية. كما قالوا إن الإرهابيين بعد أن عرفوا نقاط ضعف الهواتف الجوالة، تخلوا عن استخدامها، في الأمور المهمة، ولجئوا إلى المحادثات عن طريق البريد الالكتروني ومحادثات الكمبيوتر والرسائل التي تسلم باليد. وقد قالت السلطات الأميركية أثناء قصفها لجبال تورابورا بأفغانستان، في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2001، إنها التقطت صوت أسامة بن لادن وهو يخاطب أتباعه من خلال هاتف جوال متصل بالأقمار الصناعية. ويقول المسئولون إن بن لادن ظل منذ ذلك الوقت يتحدث إلى أتباعه عن طريق الرسائل المكتوبة بخط اليد التي يسلمها رسل موثوق بهم[42].

ويكفي أن نعرف أن الإيقاع بالقائد العسكري لتنظيم القاعدة (خالد شيخ محمد) (وهو حسبما يُذكر المخطط لاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر) كان عن طريق الهاتف الجوال حيث قام كرستيان غانزارسكي، 36 سنة، وهو ألماني مسلم كانت السلطات الألمانية تشتبه في انتمائه إلى القاعدة بالاتصال بخالد شيخ محمد ـ وكان وقتها يدير العمليات من منزل سري بكراتشي ـ ولم يتبادل الرجلان كلمة واحدة أثناء الاتصال، وكان كل هدف الاتصال هو تنبيه خالد شيخ إلى إتمام عملية الهجوم الانتحاري على كنيس يهودي بتونس في جزيرة جربة نفذ في ذلك اليوم[43]، وقد قتل في الهجوم 21 شخصا أغلبهم من الألمان. وتمكنت السلطات عن طريق الرقابة الإلكترونية من أن تصل إلى الهاتف الجوال الخاص بخالد شيخ محمد (حيث اتضح أنه يحمل شريحة تعود إلى شركة الهاتف السويسرية) ولكنها لم تكن تعرف هوية مالكه. وبعد أسبوعين من الهجوم التونسي اقتحمت السلطات الألمانية منزل غانزارسكي وعثرت ضمن قائمة الأسماء التي اتصل بها على رقم اكتشفت أنه يخص خالد شيخ محمد[44]. وسلم رقم الهاتف الجوال الخاص بخالد شيخ محمد إلى السلطات السويسرية من أجل مزيد من التحقيقات حيث عملت تلك السلطات لعدة أشهر، بالتعاون مع نظرائهم الأميركيين والباكستانيين، مستفيدين من هذه المعلومات لمتابعة تحركات خالد شيخ محمد داخل باكستان. وقد استطاعوا بهذه الطريقة التأكد من أن خالد كان في كراتشي ولكنهم لم يستطيعوا تحديد مكانه بالضبط، إلا من خلال أدوات تكنولوجية خاصة بوكالة الأمن القومي الأميركي ساعدت السلطات الباكستانية على العثور على خالد شيخ محمد، وبعد القبض عليه عثرت السلطات ضمن متعلقاته على أجهزة كمبيوتر وهواتف جوالة ومفكرة بها مئات الأسماء. وقد أدى فحص تلك الأسماء إلى كشف ما يزيد عن 6000 رقم هاتف جوال.

وبعد التفجيرات الانتحارية لثلاثة مجمعات سكنية في الرياض عام 2003م ساعدت التقنيات التي استخدمها المختصون في وزارة الداخلية في تتبع أرقام الهواتف لتعقب «خليتن إرهابيتين» حيث تم العثور على أفرادها فقُتل بعضهم أثناء المواجهة المسلحة بينما تم اعتقال آخرين.

ويُذكر بأن الهاتف الجوال لدى تنظيم “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” سابقا “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” حاليا، يستخدم في تنفيذ عمليات التفجير عن بعد فكل السيارات المفخخة التي تم تفجيرها في العمليات الانتحارية ثبت استخدام الهاتف النقال في إتمام عملية تفجيرها، ويرجع السبب في استخدام الإرهابيين للهواتف الجوالة إلى سهولة استخدامها في التفجيرات علاوة على ثمنها المحدود كما أن تقنية  صناعة القنابل التقليدية وتفجيرها عبر الهاتف النقال تعتبر الأفضل بالنسبة لهذه التنظيمات لسهولة وسرعة صناعتها، حيث لا تتجاوز صناعة القنبلة التقليدية 48 ساعة، كما أن الانفجار يمكن أن يقع بمجرد اتصال هاتفي بين خطين أو عن طريق استقبال رسالة نصية قصيرة أو حتى رنّة[45].

وبعد تفجيرات لندن عام 2005م ترأس وزير الداخلية البريطاني تشارلز كلارك اجتماعا طارئا مع نظرائه الأوروبيين لتنسيق التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، حيث قام بطرح خطة من عشر نقاط كان من بينها اقتراحاً يتعلق باحتفاظ شركات الاتصالات بسجلات المكالمات الهاتفية الخاصة والرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني حتى يمكن تمريرها للشرطة وللأجهزة الأمنية إذا لزم الأمر ذلك. غير أن هناك من اعترض على تلك الخطط متعللا بتكلفتها، بل وحتى شركات تقديم خدمات الإنترنت وشركات الهاتف أبدت تذمرها من تلك الخطط. كما أن هناك جهات عالمية عدة تطالب بوضع معايير للرقابة والتجسس على المعلومات الشخصية الخاصة بمستخدمي الانترنت وشبكات الاتصالات الهاتفية والجوالة بغية تحقيق تنسيق دولي فعال؛ ولهذا فهناك من يدعو إلى البدء بتبادل المعلومات والخبرات بين الأجهزة المعنية بمكافحة الإرهاب في دول العالم كلها، ونقل التقنية التي تستخدم في الدول المتقدمة في مكافحة الإرهاب إلى الدول التي لا تتوافر فيها هذه التقنية[46].

ومن القوانين المتعلقة بالتضييق على مستخدمي الهواتف الجوالة لأغراض إرهابية ما صدر في شهر فبراير 2008م حيث صادق الكونغرس الأمريكي على مشروع قانون  يمنح البيت الأبيض سلطة توسيع هامش مراقبة الاتصالات الهاتفية والرسائل الإلكترونية، كما يمنح شركات الاتصالات التي تعاونت مع واشنطن منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول حصانة قانونية تجاه أي ملاحقة[47].

ثالثاً: وسائل التخزين الصوتية والمرئية

كبقية الوسائل التقنية لوسائل التخزين الصوتية والمرئية (كأشرطة الكاست، وأشرطة الفيديو، والاسطوانات الليزرية) أثر إيجابي في نشر العلم الشرعي و الأفكار النافعة ومن ذلك:

  1. تصحيح المعتقدات والأفكار لدى كثير من الناس.
  2. تخزين المواد السمعية والمرئية والمقروءة النافعة وحفظها من الضياع.
  3. تسهيل عملية نقل تلك المواد وإيصالها إلى من ينتفع بها.

وبالمقابل فهي كغيرها يساء استخدامها فتكون المحصلة سلبية تجاه المتلقي وينتج عنها تأثيرات قد تضر بالمجتمع ككل ما لم يتم تدارك الأمر قبل استفحاله ومن أبرز تلك السلبيات:

  1. نشر بعض المواد الصوتية والمرئية المضللة من خطب وفتاوى.
  2. تسجيل أعمال الجماعات الإرهابية من تدريب وتعليم على صناعة المتفجرات بالإضافة إلى عملياتهم الإرهابية على أشرطة الفيديو والأقراص الممغنطة وتوزيعها بطرق متنوعة في محاولة لكسب تعاطف العامة والتأثير عليهم.

وفي هذا الصدد فإن ذوي الأفكار الهدامة يبذلون الكثير من الجهد من أجل الوصول إلى عامة الناس خاصة المراهقين وقليلي العلم والمعرفة بغرض تجنيدهم أو على الأقل كسب تعاطفهم؛ ومن هذا المنطلق يقومون بتسجيل إصداراتهم الفكرية سواءً كانت مقالات أو كتب أو فتاوى أو تهديدات أو أنشطة ميدانية من عمليات تدريب وغيرها على وسائل التسجيل التماثلية والرقمية سواء أشرطة  فيديو أو أشرطة كاسيت أو أسطوانات ليزرية مدمجة ثم يقومون بتوزيعها بطرق مختلفة فأحياناً يقومون بتسليمها لبعض القنوات الفضائية التي تروج لها من باب السبق الإخباري وفي أحايين أخرى إيصالها إلى المنازل وتسليمها الأشخاص الموجودين بالقرب من تلك المنازل أو وضعها عند الأبواب أو تعليقها على مقبض الباب أو إدخالها من خلال الفرجة أسفل الباب بعد أن يضعوها في مغلف يكتب عليه عبارة محببة للنفس (كهدية) أو (عيدية) وغيرها وهذا الأسلوب لا يتوقف أو ينحصر في منطقة بحد ذاتها بل هو منتشر في كل مكان وقد قامت الشرطة البريطانية بإجراء تحقيق في مزاعم تتعلق بشرائط فيديو (ودي في دي) وزعت في مسجدين بشمال إنجلترا وقيل إنها تستغل “لتجنيد إرهابيين” حيث تم توزيع الأشرطة على المصلين خلال عيد الأضحى. حيث يقتنيها المصلون دون معرفتهم بمحتوى تلك الأشرطة إلا بعد الاستماع لها أو مشاهدتها[48]. كما أن الهدف من توزيع تلك الأشرطة أحياناً يكون بغرض بث صور ومقاطع لأفلام تبين المآسي التي يتعرض لها المسلمون مثل: (مقتل مجموعة أطفال، تدمير المساجد والمدارس من قبل المحتلين) وذلك بهدف كسب تعاطف المشاهد ثم تجنيده. كما يقومون ببث مشاهد لعملياتهم الناجحة بهدف كسب ثقة المشاهد وتعاطفه. ومن الأهداف التي يسعى المتطرفون إلى تحقيقها من خلال توزيع الأشرطة والأسطوانات المدمجة تحفيز الأطفال والمراهقين والإيحاء إليهم بأن التدرب على الأعمال العنيفة ليس مقصوراً على الرجال والبالغين فقط بل إنه متاح للأطفال أيضاً من خلال نشر وتوزيع أشرطة  فيديو لأطفال يتدربون على تنفيذ بعض العمليات العسكرية وفي هذا الصدد عرض الجيش الأمريكي شريطاً مصوراً، قال إنه صادره من أحد معاقل تنظيم القاعدة يظهر فيه نحو 20 صبيا يحملون الأسلحة، وينفذون عمليات عسكرية، تشمل اقتحام منازل وتفجير أبواب ووضع المسدسات على رؤوس أسرى مفترضين. وتظهر لقطات أخرى من الشريط أطفالاً دون سن 12 عاماً وهم يضعون الأقنعة على وجوههم، ويحملون الذخائر والأسلحة أثناء حصص تدريبية مع مسلحين[49].

وكثيراً ما تسببت تلك التقنيات بنتائج عكسية على مستخدميها ومن ذلك التسبب في معرفة زعيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي، الذي كان واحداً ممن يكثرون استخدام تلك التقنية في نشر تصاريحهم وأعمالهم إلا أن شريط الفيديو الذي بثه في شهر أبريل 2006م ساعد المسئولين الأردنيين على تحديد موقعه التقريبي آنذاك، حيث أكد الشريط الشكوك حول وجود ألزرقاوي في منطقة بعقوبة جنوب بغداد، وهي منطقة أصبحت محط تركيز الجهود الاستخباراتية الأمريكية والأردنية. كما ان مسئولي الاستخبارات الأمريكية حددوا أيضا المنطقة الواقعة جنوب بغداد كمعقل للزرقاوي. وهو دليل رئيسي أدى في النهاية إلى مقتله في قصف جوي أمريكي[50].

رابعاً الإنترنت

ظهر مصطلح الإنترنت لأول مرة في عام 1982م وكان يطلق عليها قبل ذلك الوقت شبكة أربانت[51] ARPANET التي تأسست سنة 1969م وكانت تضم أربع جامعات أمريكية[52]. أما بالنسبة لدخول الإنترنت إلى المملكة فكان في شعبان 1414هـ الموافق يناير 1994م، حين ارتبط مستشفى الملك فيصل التخصصي بشبكة الإنترنت العالمية كأول جهة في المملكة ترتبط بهذه الشبكة. وبتاريخ 24/10/1417 هـ  الموافق 3/3/1997م صدور قرار مجلس الوزراء رقم 163 القاضي بالموافقة على إدخال خدمة الإنترنت إلى المملكة تحت إشراف مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بالتنسيق مع جهات أخرى. ثم في شهر رجب 1419هـ الموافق شهر نوفمبر 1998م تم الترخيص لـ41 جهة للعمل كمزويدي خدمة بشكلٍ تجاري[53].

ويتزايد استخدام الإنترنت بين الناس بشكلٍ كبير وتتضاعف أعداد المشتركين في هذه الخدمة سنوياً وتشير الإحصائيات إلى أن مستخدمي الإنترنت حتى نهاية 2008م قد تجاوز مليار وأربعمائة وثلاثة وستين مليون مستخدم وهو ما يشكل 21.9% من أصل ما يفوق ستة مليارات وسبعمائة وعشرة ملايين إنسان يقطنون على سطح هذا الكوكب. فيما يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت في المملكة ستة ملايين وثلاثمائة وثمانين ألف مستخدم وهو ما يمثل 22.7% من عدد السكان الذي يتجاوز ثمانية وعشرين مليون ومئة وستة وأربعين ألف إنسان حتى نهاية سنة 2008م وإذا ما قارنا هذا العدد من المستخدمين مع تعدادهم سنة 2000م حين كان يبلغ مئتي ألف مستخدم سنجد أن نسبة مستخدمي الإنترنت في المملكة قد نمت وتضاعفت ثلاثة آلاف مرة وهو مؤشر كبير جداً على قوة انجذاب الناس لهذه الوسيلة الإعلامية الحديثة[54].

ورغم كثرة إيجابيات هذه التقنية التي لا يمكن حصرها ومنها:

  1. سرعة توصيل الأفكار وتصحيح المعتقدات وبيانها للآخرين.
  2. سهولة إيصال المعلومة الصحيحة إلى أعداد كبيرة من الناس في مختلف أنحاء العالم.
  3. تشجيع أعداد كبيرة من الناس على الدخول في مجال التوعية والإصلاح بسبب إمكانية إخفاء هوياتهم.
  4. التواصل والحوار مع أشخاص من جنسيات مختلفة والانتفاع بما لديهم من ثقافات وفكر.

ورغم أن الهدف والاستخدام الأكثر للإنترنت لأغراض سلمية ثقافية وتجارية وطبية وتعليمية إلا أن من الآثار السلبية لهذه التقنية الأبرز والأهم في هذا العصر استغلالها من قبل المتطرفين لنشر أفكارهم الهدامة، بل وتعتبر هذه التقنية الأهم بالنسبة للمنتمين للفئات الضالة حيث أن معظم عمليات ما يسمى بالإرهاب الإلكتروني (cyberterror) تنطلق من الإنترنت ولذا فهي ورغم كونها الأكثر نفعاً إلا أنها الأكثر خطراً. ومن أبرز سلبياتها:

  1. إمكانية بث أعداد هائلة من الرسائل البريدية المضللة وضمان وصولها إلى فئات وأجناس متنوعة قد تؤثر في بعض من تصل إليهم.
  2. بث الأفكار المضللة من خلال مواقع الفئات الضالة على الإنترنت ومن خلال المنتديات وغرف الدردشة.
  3. وجود غرف الدردشة المغلقة التي تمكن أعضاء الفئات الضالة من الالتقاء ببعضهم بعيداً عن أعين الرقيب مع إمكانية إغواء بعض الأبرياء وتغيير أفكارهم (إلا أن هذه الغرف كثيراً ما تخترق من قبل الجهات الرسمية)

يقول غابريال ويمان[55]: “مع ظهور الانترنت وجد الإرهاب مرتعاً خصباً يرتع فيه ويترعرع، وعلى الرغم من أن الإرهاب الحالي لا يتمركز في مكان بعينه، كما أنه ضعيف البنيان وغير منظم، إلا أنه أكثر خطورة من إرهاب أواخر القرن العشرين.” ومن هذا نعلم بأن الإرهاب الحديث أصبح أكثر ضراوة لاعتماده على التكنولوجيا  المتطورة  للانترنت التي ساعدت المنظمات الإرهابية في التحكم الكامل في اتصالاهم ببعضهم  مما زاد من اتساع مسرح عملياتهم الإرهابية، وبالتالي أصبح من الصعب القضاء عليهم.

والملاحظ السرعة الهائلة في تنامي أعداد المواقع المتطرفة ففي حين لم يتجاوز عددها قبل عشر سنوات 15 موقعاً فقط إلا أن العدد الآن ربما يصل إلى (6000) موقع متطرف ولكن يجب أن لا ننسى أن عدد غير قليل من تلك المواقع غير مأهولة بالزوار؛ وذلك عائد إلى قتل القائمين عليها أو وقوعهم في قبضة رجال الأمن، كما أن سياسة الحجب في المملكة ساهمت بشكل كبير في تهميش تلك المواقع.

والسؤال لماذا يحرص المتطرفون على استخدام الإنترنت، ويحاولون التركيز عليها بشكل أكبر من وسائل التقنية الأخرى؟ ويمكن إجمال ذلك وحصره في سبع نقاط رئيسية:

  1. سهولة الاستخدام.
  2. قلة التكلفة.
  3. توفير الوقت لسرعة التواصل مع الاخرين.
  4. سهولة التخفي.
  5. القدرة على التواصل مع الملايين وبلغات مختلفة.
  6. بديل للإعلام التقليدي.
  7. رقابة محدودة من قبل الحكومات.

الأغراض التي يستخدم الإرهابيون الإنترنت من أجلها

  • التنقيب عن المعلومات: حيث يمكن للشخص أن يجد في هذه الشبكة كل ما يحتاج إليه من معلوماتن بدء بالمشاركات التحريضية البسيطة، وحتى يصل إلى كيفية تصنيع المواد المتفجرة.
  • الاتصالات: حيث أن الإنترنت وسيلة رخيصة جداً للتواصل مع الآخرين بالإضافة إلى تعدد طرق الاتصال وتنوعها بحيث يمكن أن تكون نصية أو صوتية وحتى مرئية كما يمكن أن تكون مباشرة أو من خلال تبادل الرسائل بطرق عديدة، والأهم من ذلك كله بالنسبة للجماعات الإرهابية سهولة التخفي وإمكانية تشفير البيانات.
  • تجنيد إرهابيين جدد أو على الأقل كسب متعاطفين: حيث يمكن لأي شخص الدخول لأي موقع أو منتدى والمشاركة بما يريد محاولاً التأثير على رواد الموقع دون أن ينكر عليه أحدٌ ذلك وحتى لو تم رفض أفكاره فستبقى شخصيته غير معروفة ويمكنه معاودة الدخول مرة أخرى دون أي تحرج.
  • المؤازرة الذاتية: وهذه الميزة تستخدم بكثرة في المنتديات وبعض مواقع الإنترنت التي تتيح المشاركة والتعليق بالأسماء المستعارة وهو الشائع، بحيث يمكن للشخص أن يطرح فكرة باسم (إرهابي5) مثلاً ثم يدخل باسم آخر وليكن (جهادي1) ثم يعزز الفكرة التي طرحها وهكذا يظهر بأن هناك الكثير من الأشخاص من يؤيد هذه الفكرة مع الواقع خلاف ذلك ومع هذا هناك من ينخدع بمثل تلك الأفعال.

ويسعى المتطرفون إلى تحقيق أغراضهم التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة من خلال عدة منافذ على الإنترنت ويركزون على (المواقع، المنتديات، غرف الدردشة، البريد الإلكتروني) ومن خلال هذه النوافذ يحاولون بث فكرهم وتبرير أفعالهم مع الإيقاع بضحايا جدد من المتعاطفين بعد التغرير بهم للانضمام إليهم بشكل مباشر أو على الأقل أداء بعض الأدوار بشكلٍ غير مباشر.

ولضمان تفاعل جميع الأعضاء يكون لدى كل فرد- يكتب ويعلق – ورقة جدول يدون عليها نوع المشاركة التي وضعها في أي منتدى ليتم معرفة كم انجز خلال كل شهر .

تصنيف متطرفي الانترنت

متعاطفين: شباب في بداية الطريق نحو التطرف من خلال اعجابهم بالفكر المتطرف

المتطرفين المستقلين: يعتنقون الفكر المتطرف لكنهم لم ينخرطوا في التنظيم بعد.

المتطرفين المنظمين: يعتنقون الفكر المتطرف وهم اعضاء في التنظيم.

القيادات: اعضاء في التنظيم وأصحاب خبرة طويلة ولديهم القدرة على التأثير على الاخرين.[56]

ويمكن تحديد متطرفي الانترنت من خلال تحليل النص كما يلي:

  • الموقف من السلطة: تكفيرها والدعوة للخروج عليها.
  • الموقف من العلماء: التنديد بالعلماء المعتدلين وربما تكفيرهم والثناء الدائم على العلماء المتطرفين.
  • مفهوم الجهاد: يتم استخدام المفهوم المتعسف للجهاد مع مخالفات واضحة لشروطه.
  • الاهتمام الجغرافي: البؤر الساخنة :العراق ، افغانستان ، الشيشان ، فلسطين، وغيرها.
  • الخطاب الديني: يتضمن الكثير من التعميم وهجومي وأحادي النظرة وإقصائي يصل احيانا الى حد التكفير والدعوة لاستخدام العنف.
  • القضايا المحلية: النظر الى السياسات الداخلية انها سياسات كفرية ومن ثم الهجوم على الشخصيات السياسية وعلماء الدين ورجال الامن وقد يصل في ذلك الى حد الدعوة الى اغتيالهم وتصفيتهم .
  • مؤشرات نصية: المعرفات: مثل ارهابي 007، عاشق الحوريات.

التوقيعات: نصوص تعكس الحالة الذهنية والنفسية للمشارك. (ايات قرآنية أحاديث نبوية ، ابيات شعر)[57]

جرائم الحاسب الآلي والإنترنت التي تمس الأمن الفكري:

أولاً: جريمة انتاج أو إعداد أو نشر أو تخزين المواد التي تمس النظام العام: ويقصد بها إنتاج ما من شأنه المساس بالنظام العام، أو القيم الدينية، أو الآداب العامة، وحرمة الحياة الخاصة، أو إعداده، أو إرساله، أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي، وتشدد المملكة عقوبتها على هذا النوع من الجرائم لتصل إلى السجن خمس سنوات وبغرامة مالية تصل إلى ثلاثة ملايين ريال.[58]

ثانياً: إنشاء موقع إلكتروني لمنظمات إرهابية: ويتم ذلك على الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي أو نشره لتسهيل الاتصال بقيادات تلك المنظمات، أو أي من أعضائها أو ترويج أفكارها أو تمويلها، أو نشر كيفية تصنيع الأجهزة الحارقة، أو المتفجرات، أو أداة تستخدم في الأعمال الإرهابية، وقد تصل عقوبة هذا الفعل إلى السجن مدة عشر سنوات وبغرامة مالية تصل إلى خمسة ملايين ريال.[59]

ثالثاً: الجرائم الأخرى: كالتغرير بالقصر ومن في حكمهم، واستغلالهم. وإيقاف الشبكة المعلوماتية عن العمل، أو تعطيلها أو تدمير، أو مسح البرامج، أو البيانات الموجودة، أو المستخدمة فيها، أو حذفها، أو تسريبها، أو إتلافها، أو تعديلها، وقد تصل العقوبة إلى السجن أربع سنوات وبغرامة مالية تصل إلى ثلاثة ملايين ريال.[60]

الآثار السلبية الناتجة عن إساءة استخدام التقنية وتسخيرها لخدمة أهداف إرهابية:

قام مركز الأبحاث الوطني بإجراء دراسة[61] حول الإرهاب الإلكتروني وآثاره الأمنية على المجتمع السعودي وقد توصلت الدراسة إلى عدد من الاستنتاجات كان منها وجود تأثيرات سلبية ناتجة عن إساءة استخدام وسائل التقنية على جميع الأصعدة سواء المحلية والدولية من جهة أو السياسية والاجتماعية والأسرية من جهة ثانية وكان من أبرز تلك التأثيرات السلبية ما يلي:

  1. تفشي الأفكار المناهضة والهدامة، حيث بات لا يخلو منتدى عربي من هذه الأفكار مما يمثل خطراً داهماً على عقول وأفكار المتصفحين والزائرين.
  2. استخدام شبكة الانترنت لأغراض الترهيب والتخويف لتحقيق أهداف ومآرب سياسية، ومن المتوقع أن يتسبب الإرهاب الالكتروني في إلحاق الشلل بأنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات، أو قطع شبكات الاتصال بين الوحدات والقيادة، أو تعطيل أنظمة الدفاع الجوي، أو إخراج الصواريخ عن مسارها، أو اختراق النظام المصرفي، أو إرباك حركة الطيران المدني، أو شل محطات الطاقة الحرارية والنووية.
  3. إمكانية تحول شبكة الانترنت إلى سلاح إعلامي، يستخدمه المعارضون السياسيون والمتطرفون والإرهابيون لبث رسائلهم وأفكارهم وتوجهاتهم المنحرفة والضالة ضد الحكومات العربية و الغربية.
  4. تمكن المنتديات الجهادية عبر الانترنت بسهولة تحويل الأفراد المسالمين إلى مقاتلين عبر الانترنت بدون إعداد وتدريب عسكري مباشر، حيث تتولى المنظمات تقديم التدريب المطلوب وذلك بعرض كيفية الإعداد للجهاد وتصنيع المتفجرات وحيازة الأسلحة، والتدريب على تنفيذ العمليات الانتحارية وخلافه.
  5. دعم المخابرات الدولية وفي مقدمتها المخابرات الإسرائيلية “الموساد” التي تقف وراء انتشار عدد من المنظمات الإرهابية التي تم استغلالها وتوظيفها في إطار معاداتهم لدولهم وأنظمة حكمهم.

جهود المملكة العربية السعودية في مواجهة الفكر الضال والإرهاب الالكتروني:

تقوم حكومة المملكة بجهود حثيثة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي في سبيل مكافحة الجرائم التقنية بشكلٍ عام خاصة ما يتعلق بإساءة استخدام تلك التقنية لخدمة أهداف إرهابية ومن ذلك:

  1. التنسيق بين الجهات المعنية للحد من استغلال شبكة الانترنت كوسيلة اتصال لتبادل المعلومات من قبل الإرهابيين أو المحرضين على العنف، أو لنشر الفكر المنحرف الداعي إليه والمساهمة بفعالية من خلال التعاون مع المواطنين في الرد عليهم وتفنيد دعاواهم التي ثبت بطلانها بالحجة والبرهان من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.
  2. تفعيل التعاون مع الدول ذات الخبرة الواسعة في مواجهة الإرهاب، من خلال تنظيم المؤتمرات والندوات والمحاضرات والبرامج للتوعية ومكافحة الإرهاب.
  3. إصدار الأنظمة واللوائح والتعليمات والقرارات لمواجهة الاعتداءات الالكترونية.
  4. تكوين لجنة دائمة برئاسة وزارة الداخلية وعضوية وزارات عدة لمناقشة ما يتعلق بمجال ضوابط استخدام الانترنت والتنسيق فيما يخص الجهات التي يراد حجبها.
  5. إنشاء إدارة عامة تعنى بالأمن الفكري تهدف إلى معالجة ومكافحة الانحرافات الفكرية التي تقود إلى الغلو والتطرف والإرهاب، وإنشاء لجنة تسمى لجنة المناصحة بهدف محاربة الفكر بالفكر، وكشف الشبهات التي لدى الفئات الضالة وتفنيدها، وذلك بالاستعانة برموز المجتمع من العلماء والمختصين ا لاجتماعيين والنفسيين الثقات .
  6. إجراء دراسات ميدانية شملت مجموعة من الموقوفين في قضايا إرهابية متنوعة، وقد أفضت الدراسة إلى نتائج طيبة أسهمت في معالجة ظاهرة الإرهاب بأسلوب علمي.
  7. تدريس مادة مكافحة الإرهاب والفكر الضال في بعض المناهج الدراسية في الجامعات والكليات والمعاهد الأمنية ، وكذلك عقد الدورات والحلقات العلمية المكثفة في المؤسسات العلمية الأمنية التابعة لوزارة الداخلية.
  8. تشجيع الباحثين على دراسة ظاهرة الإرهاب بأبعادها كافة.
  9. الحث على تأصيل منهج الوسطية والاعتدال، ومعالجة الغلو والتطرف والتعصب الديني، والاهتمام بتنمية الوازع الديني المعتدل لدى أفراد المجتمع كافة.
  10. التشجيع على طباعة الكتب والمنشورات وإصدار الأشرطة التي تدحض الأفكار المنحرفة والعمل على توزيعها على أفراد المجتمع والموقوفين أمنياً, مع مراقبة ما ينشر من كتب وأشرطة سمعية ومرئية لها علاقة بالفكر المنحرف، ومنعها من النشر والتوزيع والتداول للقضاء على منابع ذلك الفكر الضال.
  11. توعية الأسرة وأولياء الأمور بأهمية المحافظة على أبنائهم لئلا يتم استغلالهم من قبل الجماعات المتطرفة وأصحاب الفكر الضال لتنفيذ مقاصدهم المنحرفة.
  12. رصد الواقع الميداني الثقافي والديني من خلال متابعة ما يجري على الساحة الفكرية والثقافية والتعرف على التوجهات والتغيرات في فكر الشباب ومسببات ذلك وخاصة ما له علاقة بالفئة الضالة.[62]

الخاتمة والتوصيات:

من المهم الأخذ بعين الاعتبار والجدية، الخطورة المتأتية من وسائل التقنية وآثارها السلبية على الفكر المجتمعي، خاصة حين توجه إلى شرائح ليس لديها القدرة الكافية للتمييز بين الغث والسمين، وبين ما هو صحيح وما هو خطأ، وبذلك فقد يتسبب هذا البث من خلال تلك الوسائل وبسبب تركيزة وكثافته إلى تغير يحل بتلك الشرائح يختلف عن ما هو معمول به ومتعارف عليه في أوساط المجتمعات التي يعيشون فيها، وقد يتطور الأمر إلى الانسلاخ الكامل من قيم وأعراف وتقاليد وربما معتقدات هذا المجتمع وحينها قد يصل الأمر إلى مرحلة يصعب معها التعاطي مع تلك الشرائح الجديدة وحتى حين تبذل الجهود المتأخرة فحتماً ستكون مكلفة جداً وربما قد لا تؤتي أكلها ومن هنا فإني أختم ما سبق طرح ببعض الآراء التي أظن بأنها ربما تساعد على تأهيل كافة الأطراف المعنية بهذا الموضوع وهي كثيرة حيث تبدأ بالشرائح المستهدفة مروراً بالأسرة، ثم المدرسة، فوسائل الإعلام، بالإضافة إلى جهات التحقيق والجهات القضائية، وأخيراً المسئولين وأصحاب القرار في الجهات والقطاعات الحكومية والأهلية ذات العلاقة:

  1. أهمية تأهيل الشباب منذ سن مبكرة وتعويدهم على القراءة والإطلاع والاستنباط؛ لمنحهم الكفاءة اللازمة للتمييز بين الأفكار النافعة والأخرى الضالة.
  2. ضرورة إشراك المدرسة وكافة القائمين عليها وإطلاعهم على آخر وأحدث المستجدات التي تمثل خطراً على الشباب وحثهم على وضع البرامج التوعوية اللازمة التي تعين على وقاية الطلبة بشكلٍ خاص من تلك المخاطر.
  3. توعية الأسرة وحثها على بذل جهود مضاعفة في مراقبة الأطفال والمراهقين ومعرفة كيف يمضون أوقات فراغهم وطبيعة المواد والبيانات التي يتعاطون من خلال وسائل التقنية المتاحة بين أيديهم.
  4. التواصل مع القائمين على الوسائل الإعلامية والتأكيد على أهمية استشعار الأخطار المتأتية من إساءة استخدام وسائل التقنية وحثهم للقيام بدورهم التوعوي من جهة مع ملاحظة طبيعة المواد المقدمة من قبل كل وسيلة إعلامية وطنية وتأثيرات ما تبثه من مواد وبرامج على النشء والمجتمع بعامة والإسهام في تقويم وإصلاح ما به قصورٌ أو خلل منها.
  5. ضرورة وضع الأنظمة المحلية التي تقنن بيع أشرطة الألعاب الإلكترونية غير المناسبة مع التشجيع على إيجاد البديل المحلي.
  6. أهمية إعداد وتأهيل المعنيين بمكافحة جرائم التقنية على المستوى المحلي، بشكلٍ يعينهم على التعاطي مع جرائم التقنية للتحقيق فيها والكشف عن القائمين عليها، وإثباتها، واتخاذ العقوبات المناسبة بحق مرتكبيها.
  7. غرس مبادئ الرقابة الذاتية لدى المواطنين والنشء، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع مصادر المعرفة والتقنية المتسارعة.
  8. تكثيف الحملات الثقافية والتوعوية لكافة أفراد المجتمع خاصة فيما يتعلق بالمخاطر الناتجة عن سوء استخدام وسائل التقنية.
  9. مكاتبة المسئولين وأصحاب القرار وتنبيههم بخطورة بعض الوسائل التقنية المتاحة وأهمية تذليل كافة الصعاب في سبيل وقاية المجتمع بأسرة منها، وما لم يستشعر المسئول ـ بالدرجة الأولى ـ تلك المخاطر فإن معظم العمليات والإجراءات الضرورية للحد من سلبيات الوسيلة التقنية سوف تجابه بالكثير من المعوقات خاصة من أصحاب الشهوات والمتنفعين.

وختاماً، فإن هذا جهد مقل رغبت من خلاله أن ألفت الأنظار إلى بعض المستجدات التقنية التي صارت تشكل عبئاً إضافياً على شرائح كبيرة من مجتمعنا دون أن يشعر معظمنا بذلك، وإن كان سبقني إلى البحث في هذا الموضوع مجموعة ليست بالكثيرة من الباحثين، فيحدوني الأمل أن لا ينتظر البقية طويلاً حتى يلتفتوا إلى هذه الثغرة ويعملوا على سبر أغوارها واستكشاف المزيد من سلبياتها ووضع الحلول المعينة على تلافيها، وقبل كل ذلك وبعده بذل كافة الجهود من أجل التوعية بمخاطر تلك الوسائل التقنية، مع الهمس في أذن كل ولي أمر وتنبيهه إلى أن وجود ابنك في غرفته يتسلى بالوسائل التقنية سواء كانت: (إنترنت، ألعاب إلكترونية، هاتف جوال، وحتى مجرد حاسب آلي) لا يعني بالضرورة أنه في مأمن من ما تخشاه من مؤثرات سلبية قد تلمس بعض نتائجها الآنية وقد لا تدرك تفسيراً لها فتستفحل وتتعاظم، وقد توفق في تعليل تلك التصرفات فتبادر في معالجتها، ولكن أكثر ما أخشاه أن لا تلاحظ تلك التأثيرات إلا بعد فوات الآوان وحينها لا تنفع ساعة مندم، ولتلافي تلك الساعة بادر اللحظة بتفقد من تعول وكيف يمضي وقت فراغه، ومن يصاحب، والأهم من ذلك كله ما الذي تحويه جميع أجهزة التسلية المحيطة به ولعلي أختم مذكراً بما رواه عبد الله ‏بن عمر ‏ ‏رضي الله عنهما ‏ عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: ‏ ‏كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والأمير راع والرجل راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته[63]. والله ولي التوفيق والقادر عليه.

 

مع خالص التحية والتقدير

المقدم / فهد بن عبد العزيز الغفيلي

الإدارة العامة للأمن الفكري – وزارة الداخلية

المملكة العربية السعودية

رقم الهاتف الجوال: (0504238566)

البريد الإلكتروني: fahdghofi@yahoo.com

 


للحصول على نسخة من البحث

بصيغة PDF يرجى الضغط هنا