وين مسافرين

د. فهد الغفيلي
د. فهد الغفيلي
وين مسافرين د. فهد عبدالعزيز الغفيلي

مع بدء موسم الإجازة الصيفية وما يصاحبها من موجات حر دائمة بدأت بشكل مبكر هذه السنة وكانت مصحوبة بالغبار الذي يأتي بحلول ظلام كل ليلة وينجلي بطلوع الشمس ويذهب وقد ترك أثاره على كل شيء خاصة السيارات التي يصعب عليك معرفة لونها من كتل الغبار المتراكمة عليها.

وبالطبع ففي موسم الصيف تكثر الرحلات السياحية ليس هنا في المملكة بل في جميع بلدان العالم، إلا تلك المشغولة بالبحث عن كسرة خبز تأكلها وذاك هو الشغل الشاغل والهم الأكبر بالنسبة لها وهذه الفئات موجودة في كل مكان وزمان.

ولكن مفهوم السياحة مختلف من شعب إلى أخر فبينما يراه معظم السياح الغربيين فرصة للاطلاع ومشاهدة آثار البلدان الأخرى والتعرف على تراثها  الإنساني وتسجيل لحظات سعيدة يستعيدها الشخص بعد عودته، بالمقابل فإن معظم السياح لدينا يسافرون ليقال إنهم سافروا وذهبوا إلى البلد الفلاني وكانوا قبله قد سافروا إلى البلد العلاني.

والحقيقة أنهم سافروا بالفعل ولكن سفرتهم لم تتجاوز ثلاثة أماكن المطار والفندق والمطعم (محتمل وليس أكيداً وفي الغالب مطعم عربي ونفس الطلب طوال أيام الرحلة) ولكن هل سعدوا في رحلتهم؟ بالطبع ستكون الإجابة في الغالب لا…. باستثناء الأطفال، أما البقية فمنذ اللحظات الأولى كانوا محل سخط ولوم رب الأسرة، وكانوا يسمعون على سبيل المثال لا الحصر عبارات (وين التذاكر الله ياخذكم) (ركبوا الشنط أخرتونا الله يغربلكم) (انثبروا في الغرفة واطلبوا غدا من برا) (المكان الفلاني ما ينفع أبد شافه جارنا العام).

والمشكلة أنه لا مجال للتنفيس لا للأسرة ولا لمعيلها واللقاءات مستمرة فالذهاب والمجيء والغداء والنوم وكل شيء يفعلونه مع بعض ومن هنا تكون العشرة أيام أو الأسبوعين عبارة عن بهذلة مركزة وتنغيص وضيقة صدر وكل يحسب متى يحين الفرج وتأتي العودة، والفرحة الحقيقية ساعة تجهيز حقائب السفر للمغادرة إلى أرض الوطن الذي لم يشتاقوا إليه كوطن ولكن كمتنفس ومكان يهربون إليه من جو الغم الذي دفعوا من أموالهم ليعيشوه.

وبعد العودة يحتاجون لعدة أيام نقاهة بعد الرحلة الشاقة في جوها ومصاريفها ولكن العزاء أنهم سيقولون سافرنا إلى ماليزيا والديرة زينة “وناسة” بالمرة واللي ما سافر لماليزيا كأنه ما سافر أبداً وهم ياحسرة من المطار إلى الفندق والعكس ولو لم يسافروا لكان أحسن، ولكن البعض يفعلون ويتصرفون وأعينهم على الآخرين، يراقبون ردود أفعالهم وتصرفاتهم وبالمناسبة فحياة الغالبية منّا بهذه الطريقة، فهم يعيشون للآخرين: يلبسون ملابس غالية، ويركبون سيارات فارهة بالتقسيط ويذهبون لمطاعم راقية؛ ليقال ما أجمل لباسهم وأروع مركباتهم وما أغناهم ولكن هل هم سعداء؟….. أشك في ذلك.

فهد عبدالعزيز الغفيلي